وكان علي بن العباس الرومي مُفْرِطَ الطِّيرَة ، شديدَ الغلوّ فيها . قال علي بن عبد الله بن المسيب : وكان يحتجُ لها ، ويقول : إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، كان يُحِبُّ الفأل ، ويَكْرهْ الطيرَة ؛ أفتراه كان يتفاءلُ بالشيء ، ولا يتطيَّر من ضدِّه ؟ ويقول : إن النبيّ ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، مرّ برجل وهو يَرْحَل ناقةً ويقول : يا ملعونة ، فقال : لا يَصْحَبُنا ملعون ، وإن علياً ، رضي اللّه عنه ، كان لا يَغْزُو غَزاة والقمرُ في العقرب ، ويزعم أن الطيرة موجودةٌ في الطباع قائمةٌ فيها ، وأن بعضَ الناس هي في طباعهم أظهر منها في بعض ، وأن الأكثرَ في الناس إذا لقي ما يكرهُه ، قال : على وَجْهِ من أصبحت اليوم ؟ فدخل علينا يوم مهرجان سنة ثمان وسبعين وقد أهدي إلي عدةٌ من جواري القيان ، وكانت فيهنّ صبيةٌ حَوْلاَء ، وعجوزٌ في إحدى عينيها نكتة ، فتطير من ذلك ، ولم يُظْهِرْ لي أمره ، وأقام باقي يومه ؛ فلمّا كان بعد مدة يسيرة سقطت ابنة لي من بعض السطوح ، وجفاه لقاسم بن عبيد اللّه ، فجعل سَبب ذلك المعنيين المغنيتين ، وكتب إليَّ : الخفيف :
أيها الْمُتْحِفِي بحُولٍ وعُورٍ . . . أين كانت عنك الوجوهُ الحسانُ ؟
قد لَعَمْري ركِبْتَ أمراً مهيناً . . . ساءني فيك أيها الخُلْصَانُ
فَتْحُكَ المهرجان بالحُول والعُو . . . رِ أرانا ما أعْقَب المهرجانُ
كان من ذاك فقدُك ابنتَك الْحُ . . . رة مصبوغةً بها الأكْفانُ
وتَجافي مؤمَّل لي جَليل . . . لج فيه الجفاءُ والهِجْرانُ
وعزيز عليَّ تقريع خل . . . لا يُدانيه عنديَ الخُلاَنُ
غير أني رأيت إذكارَهُ الحز . . . مَ وإشعارهُ شِعاراً يُصَانُ
لا تَهَاوَنْ بطيرة أيّها النظ . . . ار واعْلَمْ بأنها عُنْوانُ
قف إذا طيرة تلقّتك وانْظُرْ . . . واستمع ثمَ ما يقول الزَمانُ
قلما غاب من أمورك عنوا . . . ن مبين وللزَمانِ لِسَانُ
لا تكن بالهوى تكَذب بالأخ . . . بارِ حتى تهين ما لا يُهان
لا يَقُدْكَ الهوى إلى نصرة الأخ . . . بارِ حتى يقدَّم البرهانُ
إن عُقْبى الهوى هُوِيٌ ، وُعقْبى . . . طول تلك المهوَنات هَوان
لا تصدق عن النبيين إلا . . . بحديث يلوحُ فيه البيان
خبَّر اللَه أنَّ مشأمَةً كا . . . نت لقوم وخبَّر القرآن
أفَزُورَ الحديثِ تقبل أم ما . . . قاله ذُو الجلال والفُرْقانُ ؟
أترى من يرى البشيرُ بشيرا . . . يَمْتَري في النذير يا وَسْنانُ