وله إلى الإمام أبي الطيب سهل بن محمد : قد كان الشيخُ يَعِدُني عن هذه الحضرة عِدَاتٍ أشمّ لها الأنف ، لا ذهاباً بتلك الفواضل عنها ، لكن استحالةً من هذا الزمان أن يجودَ بها ؛ فحين أسرفْتُ على الْحَضْرَة ماجَتْ إليّ أمواجُ الشرف منها ، وخلص إليّ نسيمُ الكَرَم عنها ، وأتْحَفني على رسم الإجلال بمركوب شامخ ، ومركب ذهبٍ سابغ ، وجنيبِ شرف زائد ؛ وسرتُ بحمد اللّه محفوفاً بأعيانِ الكتّاب ، وعيونِ الرجال ، حتى شافَهْتُ بِسَاطَ العز ، مستقبَلاَ مَلِكَ الشرق أدام الله عُلُوَه ، فجذب بضَبْعَيّ عن أرْضِ الخدمة ، إلى جوارِ وليّ النعمة ، حرس اللَّهُ مكانه ، فاهتزَّ اهتزازاً فات سِمَة الإكرام ، وتجاوز اسْمَ الإعظامِ إلى القيام ، فقبلتُ من يُمْناه مِفْتَاح الأرزاق ، وفتاح الآفاق ، ولحقت منه بقاب العُقاب ، وخاطبني بمخَاطبات نَشَدْتُ بها ضالَةَ الكِرام ، وهلمّ جرّا إلى ما تبعها من جميل الإنزال ، وسَنيّ الأجْزَال .
وطرأت من الشيخ العميد على شَخْصِ يسَعُه الخاتم ، ولا يَسعُه العالَم ، ويهتز عند المكارم كالغُصن ، ويثبت عند الشدائد كالرُكْن ، وسلطانٍ يحلم حِلْمَ السيفِ مُغْمداً ، ويغضب مجرداً ، فهو عند الكرم لَيِّنٌ كصَفْحَتِه ، وعند السياسةْ خشِنٌ كشَفْرته ، وملك يَأْتي الكرمَ نيّة ، والفضلَ سجيّة ، ويفعل الشرّ كُلْفَة أو خطيَّة ، فهو ضَرُور بآلاته ، نَفُوع بذاته ، عطارد قَلَمُه ودَوَاتُه ، والمرّيخ سَيْفُه وقَنَاتُه ، عيْبُه أنْ لا عَيْبَ فيه ، فيصرف عَيْن الكمال عن معاليه . وصادفت من الشيخ الموفق ، أيده الله ، مَلكاً يُشاهَدُ عِيَاناً ، وجبلاً قد سُمِّي إنساناً ، وحسناً قد مُلِئ إحساناً ، وأسداً قد لقَبَ سلطاناً ، وبَحْراً قد أمسكَ عِنانا ، وحطَطْتُ رَحْلِي بفناء الأمير الفاضل أبي جعفر أدام الله عِزَّه ، فوجدت حكمي في ماله أنْفَذَ من حكمه ، وقَسْمِي من غِنَاه أوْفَر من قَسْمه ، واسْمِي في ذات يده مقدَّماً على اسْمِه ، ويَدِي إلى خزانته أسْرَعَ من يَده ، وإن قصدت أنْ أُفْرِدَ لكل مدحاً ، وأعبر الجملة شرحاً ، أطَلْت ، فهلم جرّا إلى ما افتتحت الكتاب لأجله .
ورد للخوارزمي كتاب يتقلّب فيه على جَنْبِ الحردِ ، ويتقلّى على جَمْر الضجَر ، ويتأوه من خُمار الخجل ، ويتعثرُ في أَذْيالِ الكَلَل ، ويذكر أنَّ الخاصة قد علمت لأينا كان