وبعد فكلفة الفَضلِ بينة ، وفروض الودِّ متعيّنة ، وأرْضُ العشرة ليِّنة ، وطرقها هينة ، فلمَ اختار قَعود التعالي مركباً ، وصعودَ التغالي مَذْهَبا ؛ وهلا ذاد الطير عن شجر العِشْرَة ، وذاق الحُلْوَ من ثمرها ؛ فقد علم اللّه أن شوقي إليه قد قدَّ الفؤادَ بَرْحاً إلى برح ، ونكَأَه قَرْحاً إلى قرح ، ولكنها مِرّة مُرة ، ونَفْسٌ حرّه ، لم تُقَد إلا بالإعظام ، ولم تُلْقَ إلاّ بالإجْلاَلِ والإكرام ، وإذا استعفاني من معاتبته ، فأعْفَى نفسه من كُلَفِ الفَضْلِ يتجشَّمها ، فليس إلاَ غصص الشوق أتجَرَعُها ، وحُلل الصبْر أتدرَعها ، ولم أعره من نفسي ، وأنا لو أُعِرْتُ جناحَيْ طائر لما طِرْت إلا إليه ، ولا وقعت إلاّ عليه : الطويل :
أحبك يا شَمْسَ النهار وبَدْرَهُ . . . وإنْ لامني فيك السها والفَرَاقِدُ
وذاك لأنّ الفضلَ عندك باهر . . . وليس لأنّ العيشَ عندك بارِدُ فلمّا وردت عليه الرُّقعة حشَد تلاميذَه وخَدَمه ، وجَشِم للإيجاب قدمه ، وطَلَع علينا مع الفجر طلوعُه ، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير أبي الطيب ؛ فقلْنا : الآن تُشْرِق الحشمةُ وتنور ، وننجِدُ في العشرة ونُغَوَر ، وقصدناه شاكرين لمّا أتاه ، وانتظرْنا عادةَ بره ، وتوقعْنا مادَةَ فضله ؛ فكان خُلبا شمْنَاه ، وآلا ورَدْنَاه ، وصرفنا في تأخّره وتأخّرِنا عنه إلى ما قاله ابن المعتز : الرجز :
إنا على البعاد والتفرُقِ . . . لنلْتقِي بالذكْرِ إنْ لم نَلْتَقِ
وأنشدنا قول ابن عصرنا : الوافر :
أُحبك في البتول وفي أبيها . . . ولكني أُحِبّك من بعيدِ
وبقينا نَلْتَقي خيالاً ، ونقنع بالذكر وصالاً ، حتى جعلت عواصفه تهُب ، وعقاربه تَدِب .
والمجلس طويل جداً .
قلت : إن كنتُ خرجتُ لطولِ هذا الكلام عن ضبط الشرط ، فلعلي أسامَح فيه لفضله ، وعدم مثله ، وهو وإن كان في باب الاتصال ، فهو بتقدير الانفصال ، لقيامِ كل رسالةِ بذاتها ، وانفرادها بصفاتها .