راحٌ كالنار والنُورِ والنوْرِ ، أَصفَى من البَلور ، ومن دَمْع المهجور . روح نور لها من الكَأْس جسم ، كأنها شمس في غِلالة سَراب . شراب أكادُ أَقولُ : هو أَصْفَى من مودَتي لك ، ومِنْ نعم اللَهِ عنديً فيك ، وأَطْيَبُ من إسعافِ الزمان بلقائك . مُدَامة قد سبك الدهرُ تِبْرَها فصَفا . كأسٌ كأنها نورٌ ضميرهُ نَارٌ . راح كياقوتة في دُرة ، أَصْفَى من ماء السماء ، ودَمْعِ العاشقة المَرْهاء ، أحسن من الدنيا المُقْبِلة ، والنعم المكملة . أَحْسن من العافية في البَدَن ، وأَطْيَب من الحياة في السرور . أرقّ من نسيمِ الصبا ، وعَهْدِ الصَبا . أرق من دَفع محب ، وشَكْوَى صَبّ . أرقّ من دموع العشاق ، مَرَتها لَوْعَةُ الفراق . مُزِجَ نَارُ الرَاح بنُورِ الماء . راح كأنها معصورة من وَجْنَةِ الشمس ، في كَأسٍ كأنها مخروطة من فِلْقَة البَدْرِ . كأسها مِلْء اليدِ ، وريحها ملء البَلَد ، تصب على الليل ثَوْبَ النهار ، كأنها في الكأس معنى دقيق في ذِهْنٍ لطيف . كأنَّ الراح من خَدِّه معصورة ، وملاحَةُ الصورةِ عليها مقصورة . وهذا من قول الطائي كأنها من خَدِّهِ تُعْصَر وقال عبد السلام بن رَغْبان الملقب بديك الجن الشاعر المشهور : الطويل :
معتّقه مِنْ كَفَ ظَبْي كأنما . . . تَناوَلها من خَدَه فأَدَارَها
تمشَت الصهباءُ في عِظامهم ، وتَرَقَت إلى هامِهِمْ ، وماسَتْ في أعْطافِهم ، ومالَتْ بأَطْرَافهم . سارَتْ فيهم الكُؤُوس ، ونالَتْ عنهم سَوْرَةُ الخَندَريس . شربت عقولَهم ، وملكت قلوبَهم .
وقال أبو نُوَاس ، وهو أستاذ الناس في هذا الشأن : الكامل :
صِفَةُ الطلولِ بَلاَغَةُ الفَدْمِ . . . فاجعلْ صفاتك لابنَةِ الكَرْمِ
تصفُ الطلولَ على السماع بها . . . أَفَذُو العِيان كثابتِ العلْمِ ؟
وإذا وَصَفْتَ الشيءَ متّبعا . . . لم تَخْلُ من غَلَطٍ ومن وَهْمِ