أما ترى تكافؤ هذا الطمع واليَأس في يومنا هذا بقرْب المطر وبعده ، كأنه قول كثير : الطويل :
وإني وَتَهْيامي بعزة بعدما . . . تَخَليتُ مما بيننا وتَخَلّتِ
لكالمرتَجِي ظل الغمامةِ ، كلّما . . . تَبَوَأ منها للمَقيل اضمحلتِ
وما أصبحَتْ أمنيتي إلاَ في لقائك ، فليت حِجاب النأي هتك بيني وبينك رقعَتي هذه وقد دارت زجاجاتٌ أوقعَتْ بعقلي ولم تَتَحيّفه ، وبعثَت نشاطاً حركني للكتاب ؛ فرأيك في إمطاري سروراً بسار خَبرك ؛ إذ حُرِمت السرور بمَطَر هذا اليوم ، موفّقاً إن شاء الله .
وكتب الحسنُ بن وهب : وصل كتاب الأمير أيَّده اللّه وفَمِي طاعِم ويدي عامِلة ، ولذلك تأخرّ الجواب قليلاً ، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته ، وما استوجب ذنباً استحقّ به دماً ؛ لأنه إذا أشمس حكى حُسنَكَ وضياءك ، وإن أمطر حكى جودك وسخاءك ، وإن غام أشبه ظِلَك وفِناءَك ، وسؤالُ الأمير عني نعمة من نعم اللّه ، عز وجل ، أُعفَي بها آثارَ الزمان السيئ عندي وأنا كما يحِب الأمير صرف اللهُ الحوادث عنه ، وعَن حَظي منه .
وذم رجل رجلاً فقال : دعواته ولائم ، وأقْدَاحه مَحَاجم ، وكؤوسُه محابر ، ونوادره بوادر .
وقال أبو الفتح كشاجم : كان عندي بعض المجَّانِ من النبيذيين ، فسمعني وأنا أحمدُ الله جلَّ ذِكرُه في وسط الطعامِ لشيءٍ خطر ببالي من نِعَم الله التي لا تُحْصَى ، فنهض وقال : أُعْطِي اللّه عهداً إن عاودْتُ وما معنى التحميد هنا ؟ كأنك تُعْلِمُنا أنا قد شبعنا . ثم مال إلى الدواة والقرطاس ، وكتب ارتجالاً : الوافر :
وحَمْدُ الله يَحْسُنُ كلَّ وقتٍ . . . ولَكِنْ ليس في أولَى الطعام
لأنك تُحْشِمُ الأضيافَ فيهِ . . . وتأمرُهم بإسراع القِيَام
وتؤذِنهم ، وما شَبِعُوا بشَبْعٍ . . . وذلك ليس من خُلُقِ الكِرَامِ
وكتب المَرِيمي إلى بعض إخوانه وقد ترك النبيذ : البسيط :
إنْ كُنتَ تُبْتَ عن الصهباءِ تَشْرَبُها . . . نُسْكاً فما تُبْتَ عَنْ بِرٍّ وإحسانِ
تُب راشداً ، واسقِنا منها ، وإن عَذَلوا . . . فيما فعلت فقلْ ما تاب إخواني
وقال بعض النبيذيين ، وقد ترك الشرب : الوافر :
تحامَوْني لتَرْكِي شُرْب راح . . . أقَمْتُ مكانَها الماءَ القَرَاحا