قال بعض الظرفاء : شَرْطُ المنادمة قِلّة الخلاف ، والمعاملةُ بالإنصاف ، والمسامحة في الشراب ، والتغافل عن ردّ الجواب ، وإدمان الرضا ، واطِّرَاح ما مَضَى ، وإسقاط التحيات ، واجتناب اقتراح الأصوات ، وأكل ما حضر ، وإحضار ما تيسر ، وسَتْر العَيْبِ ، وحفظ الغيب .
وقد أحسن أبو عبد الرحمن العطوي في قوله : الوافر :
حقوقُ الكأس والنَّدْمانِ خمس . . . فأوّلُها التزين بالوَقَارِ
وثانيها مسامَحَةُ النَدَامَى . . . فكَمْ حَمَتِ السماحة مِنْ ذِمارِ
وثالثها ، وإن كنتَ ابنَ خَيْرِ الْ . . . برية مَحتْدِاً ، ترْكُ الفَخَارِ
ورابعها وللندْمان حق . . . سوى حقّ القرابة والجوارِ
إذا حدَثته فاكْسُ الحديث ال . . . ذي حدّثته ثَوْبَ اختصارِ
فما حُثَ النبيذُ بمثل حسن الأ . . . غَاني والأحاديثِ القِصار
وخامسةٌ يدكُ بها أخوها . . . على كرم الطبيعةِ والنَجار
حديث الأمس ننساه جميعاً . . . فإنَّ الذنْب فيه لِلْعُقَارِ
ومن حكَمتَ كاسَك فيه فاحْكمْ . . . له بإقالة عِنْدَ العِثار
وقال حسان بن ثابت : الوافر :
نُوَلَيْها الملامةَ إنْ ألَمْنَا . . . إذا ما كان مَغْثٌ أو لِحَاء
وشرب اليزيدي عند المأمون فلما أخذَتْ منه الكأس أقبل يعتز عليه بتعليمه إياه ، وأساء مُخاطبته ، فلما أفاق من سُكْرِه عُرَف ما جرى ، فلبِس أكفانه ، ووقف بين يديَ المأمون فأنشده : الطويل :
أنا المذنبُ الخطَاءُ والعفوُ واسعٌ . . . ولو لم يكن ذنبٌ لما عُرِف العفوُ
ثَمِلْتُ فأبْدَتْ منِّيَ الكاسُ بعضَ ما . . . كَرِهْتَ وما إن يستوي السّكْرُ والصَّحو
ولا سيما إن كنتُ عند خليفةٍ . . . وفي مجلسٍ ما إنْ يجوز به اللَغْوُ
فإن تَعْفُ عني أُلْفِ خَطويَ واسعاً . . . وإلا يكن عَفْوٌ فقد قَصُر الْخَطْوُ