فزحف حتى انحدر عن الفرش ثم قال لي : زدْني ، فأنشدته : الرمل :
عِش فحُبِّيك سَريعاً قاتلي . . . والضَّنى إن لم تَصلني وَاصلي
ظَفرَ الحبّ بقَلَب دَنِفٍ . . . فيك والسّقْمُ بجسمٍ ناحلِ
فهما بين اكتئابٍ وضَنًى . . . ترَكاني كالقضيب الذَّابل
وبكى العاذِلُ لي من رحمة . . . فبكائي لبكاء العاذِل
فنَعر طربَاً وقال : يَلبَق ؛ كم معك لنفقتنا ؟ قال . ثمانمائة وخمسون ديناراً . قال : أقسمها بيني وبين خالد ، فدفع إليَ نصفها .
وأنشد جحظة أو غيره ولم يسمِّ قائله : البسيط :
لا يبعد اللّه إخواناً لنا سلفوا . . . أفناهم حَدَثان الدهر والأبدُ
نمِدّهُمْ كل يومٍ من بقيَّتنا . . . ولا يَوؤوب إلينا مِنْهُمُ أحَدُ
ما قيل في السكّين
وكان أحمد بن يوسف جالساً بين يدي المأمون ، فسأل المأمون عن السكّين فناوله أحمد السكين ، وقد أمسك بنِصَابها ، وأشار إليه بالحدّ ، فنظر إليه المأمون نظر مُنكِر ؛ فقال : لعل أميرَ المؤمنين أنكر عليَّ أخْذِي النّصاب ؛ وإشارتي إليه بالحدِّ ؛ وإنما تفاءلت بذلك أن يكونَ له الحدَّ على أعدائه ، فعجب المأمون من سرْعَةِ فطنته ، ولطيف جوابه .
وقال بعض الكتاب : السكين مسُّ الأقلام يشحذها إذا كلّت ، ويَصْقُلُها إذا نَبَتْ ، ويطْلِقُها إذا وقفت ، ويلمّها إذا شَعِثت ، وأحْسَنُها ما عَرُضَ صَدْرُه ، وأُرْهِفَ حَدُّه ، ولم يفصل على القبضة نِصَابُه .
وقال أبو الفتح كشاجم يرثي سكيناً سرقت له : البسيط :
يا قاتل اللّه كتابَ الدواوين . . . ما يستحثُونَ من أخذِ السكاكينِ
لقد دهاني لطيفٌ منهمُ خَتِلٌ . . . في ذات حدٍّ كحدّ السيفِ مَسْنُونِ
فأقَفْرَتْ بعد عُمْرانٍ بموقعها . . . منها دواةُ فتًى بالكُتْبِ مَفْتُون
تبكي على مُديَةٍ أودى الزمان بها . . . كانت على جائرِ الأقلام تُعْدِيني
كانت تقدِّمُ أقلامي وتَنْحَتُها . . . نحتاً وتسْخِطها بَرْياً فتُرْضيني