عجباً لأحمد بن يوسف كيف استطاع أن يكْتُم نَفْسَه ؟ وكتب إلى المأمون يستَجْدِي لزوار على بابه : إن داعِي نَدَاك ، ومُنَادِي جَدْوَاك ، جَمَعاً ببابك الوُفود ، يرجون نائلَكَ العَتيد ، فمنهم من يَمُتُ بحُرْمة ، ومنهم من يُدْلي بسالفِ خِدْمَة ، وقد أَجْحَفَ بهم المقام ؛ فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يَنْعَشهم بسِيبِه ، ويحقق ظنَهُم بطَوْله ، فَعَلَ .
فوقعَ المأمون في عرض كتابه : الخيرُ متبع ، وأموال الملوك مَظَان لطلاب الحاجات ؛ فاكتُب أسماءَهم ، وبيِّنْ مرتبةَ كل واحد منهم ، ليصيرَ إليه على قَدرِ استحقاقه ؛ ولا تكدرَن معروفنا بالمَطْلِ والحجاب ؛ فقد قال الشاعر : الوافر :
فإنك لَنْ تَرَى طَرْداً لحُرّ . . . كإلصاق به طرف الهَوَانِ
ولم تُجْلَبْ مودَةُ ذِي وَفَاءً . . . بمثل الوُدّ أو بَذلِ اللسَانِ
قال أحمد بن يوسف : أمرني المأمون أن كتب في زيادة قناديل شهر رمضان ؛ فأعْيا علي ، ولم أجِدْ مثالاً أحْتَذِي عليه ؛ فبت مغموماً ، فأتاني آتٍ في النوم فقال : اكتب : فإنَ فيها إضاءة للمتهجدين ، ونفياً لمكان الريب ، وأنْسَا للسابِلة ، وتنزيهاً لبيوت الله من وَحْشَةِ الظلم ، فأخبرت بذلك المأمون ، فاستظرفه ، وأمر أن تمضي الكُتُب عليه .
وأهدى إلى المأمون في يوم نوروز طبقَ جَزع عليه ميلِ من ذَهب ، فيه اسمه منقوش ، وكتب إليه : هذا يوم جَرَت فيه العادةُ ، بإلطاف العبيد السادة ، وقد بعثتُ إلى أمير المؤمنين طبق جزع فيه ميل .
فلمّا قرأ المأمون الرقعة قال : أجاءت هديةُ أحمد بن يوسف ؟ قالوا : نعم ، قال : هي في داري أمً داري فيها ؟ فلمّا رفع المنديل استظرف الهدية واسترجح مُهدِيها . وأهدى إلى إبراهيم بن المهدي هدية وكتب إليه : الثقةُ بك قد سهلت السبيلَ إليك ، فأهْدَيْتُ هديةَ من لا يَحتَشِم إلى من لا يَغْتَنِم .
وكتب إلى بني سعيد بن سلم : لولا أن الله ، عز وجلّ ، ختم نبوته بمحمد ، ( صلى الله عليه وسلم ) ،