من أخبار أبي نواس
ولما خلع المأمونُ أخاه محمد بن زُبيده ووجّه بطاهر بن الحسين لمحاربته ، كان يعملُ كتباً بعيوبِ أخيه تُقْرأ على المنابر بخراسان ؛ فكان مما عابه به أن قال : إنه استخلص رجلاً شاعراً ماجِناً كافراً ، يقال له الحسن بن هانئ ، واستخلصه ليَشرَبَ معه الخمر ، ويرتكبَ المآثم ، ويَهْتِكَ المحارم ، وهو الذي يقول : الطويل :
ألا فاسقِني خَمْراً وقُل لي هي الخمرُ . . . ولا تسقني سرَاً إذا أمْكَنَ الجَهرُ
وُبحْ باسم مَنْ تهوى ودَعْني عن الكُنَى . . . فلا خَيرَ في اللَذاتِ من دونها سِتْرُ
ويذكر أهلَ العراق فيقول : أهل فسوق وخمور ، ومَاخُور وفجور ؛ ويقوم رَجلٌ بين يديه فيُنْشِد أشعار أبي نواس في المجون ؛ فاتصل ذلك بابن زبيدة ؛ فنهى الحسنَ عن الخمر ، وحبسه ابنُ أبي الفضل بن الربيع ؛ ثم كلمه فيه الفضل ، فأخرجه بعد أن أخذ عليه ألا يشربَ خمراً ، ولا يقول فيها شعراً ، فقال : الكامل :
ما مِنْ يدٍ في الناس واحدةٍ . . . كَيَدٍ أبو العباسِ مَولاَها
نامَ الثقاتُ على مضاجعهم . . . وسَرَى إلى نفسي فأحياها
قد كنتُ خِفْتُكَ ، ثم آمنني . . . من أن أخافك ، خَوْفُكَ الله
فَعفوتَ عني عَقوَ مُقتدرٍ . . . وجَبَت لهُ نِقَم فألغاها
ومن قوله في ترْك الشراب : الخفيف :
أيها الرائحان باللَّومِ ، لُوما . . . لا أذوقُ المُدَامَ إلا شَمِيما
نَالَني بالمَلام فيها إمام . . . لا أرى لي خلافَهُ مُستقيما
فاصرِفاها إلى سِوَايَ ؛ فإني . . . لست إلا على الحديث نديما
جُل حظي منها إذا هي دارت . . . أن أراها وأن أشم النسيما
فكأني وما أزينُ منها . . . قَعَدِي يُزَيًن التحكيما