فقر في مدح السفر
أبو القاسم بن عباد الصاحب : الخبر المنقول أنَ المقبوضَ غريباً شهيد . وفي الحديث : سافروا تَغْنَموا . السفرُ أحدُ أسباب العيش التي بها قِوامه ، وعليها نِظَامه . إن الله لم يجمَعْ منافعَ الدنيا في الأرض ؛ بل فرَّقها وأحوجَ بعضها إلى بعض . المسافرُ يسمع العجائب ، ويَكْسبُ التجاربَ ، ويَجْلِبُ المكاسب . الأسفارُ مما تَزِيدك علماً بقدرة اللّه وحِكْمته ، وتدعوكُ إلى شكر نعمته . ليس بينك وبين بلدٍ نَسب ؛ فخيرُ البلاد ما حملك . السفرُ يُسْفِر عن أخلاق الرجال . أوحِشْ أهلَك إذا كان في إيحاشهم أُنْسُك ، واهْجُرْ وطنَك إذا نبَتْ عنه نفسك . ربما أسفر السفر عن الظفَر ، وتعذر في الوطن قضاءُ الوطَر ، وأنشد : البسيط
ليس ارتحالُكَ تَرْتَادُ الغِنَى سفراً . . . بَلِ المُقَامُ على خَسْفٍ هو السفرُ
وهذا كقول الطائي : الطويل
وما القفْرُ بالبيدِ الفضاء ، بَكِ الَتي . . . نَبتْ بي وفيها ساكِنُوها هِي القَفْرُ
أخذه المتنبي فقال : البسيط
إذا تَرَحَلْتَ عن قوم وقد قَدرُوا . . . ألاَ تُفارِقَهُمْ فالرَاحِلونَ هُمُ
نقيض ذلك في ذمّ السفر والغربة
في الحديث إن المسافرَ وماله لعَلَى ، قلت : إلاّ ما وَقى الله ؛ أي على هلاك . شيئان لا يعرفهما إلا من ابْتُلِي بهما : السفرُ الشاسع ، والبناءُ الواسع . السفرُ والسقَمُ والقتال ثلاث متقاربة ؛ فالسفرُ سفينة الأذى ، والسقَمُ حَريقُ الجسد ، والقتالُ مَنبتُ المنايا . إذا كنتَ في غير بلدك فلا تَنسَ نصيبك من الذل . الغربةُ كرْبة . النّقلة مُثْلة . الغريب كالغرسِ الذي زايل أرْضَه ، وفَقَد شِرْبَه ؛ فهو ذَاوٍ لا يُثْمِر ، وذابلٌ لا ينضر . الغريب كالوَحْشِ النائي عن وطنه ؛ فهو لكل سَبُعٍ فَرِيسة ، ولكل رام رَمية ؛ وأنشد : الوافر
لَقربُ الدار في الإقتار خَيْرٌ . . . منْ العيش الموسع في اغترابِ
وقال أبو الفتح البُسْتي : البسيط
لا يعدم المرء شيئاً يستعينُ به . . . ومنعه بين أهليه وأصحابه