أبو عليّ البصير
وشتم بعضُ الطالبيين أبا عليّ الفضلَ بن جعفر البصيرَ ، فقال أبو عليّ : والله ما نَعْيَا عن جوابك ، ولا نَعْجِزُ عن مَسَابِّك ؛ ولكنَّا نكونُ خيراً لِنَسَبِك منك ، ونحفظ منه ما أَضَعْتَ ؛ فاشكُرْ توفيرَنا ما وفَّرْنا منك ، ولا يَغُرَّنك بالجهل علينا حِلْمُنا عنك .
وسأل أبو علي البصير بعض الرؤساء حاجةً ولقيه ؛ فاعتذر إليه من تأخرها ؛ فقال أبو عليّ : في شُكْرِ ما تقدّم من إحسانك شاغلٌ من استبطاء ما تأخر منه .
وأبو عليً أحَدُ مَنْ جمع له حظُ البلاغة في الموزون والمنثور ، وهو القائلُ : الطويل :
ألمَت بنا يَوْمَ الرحيل اختلاسَةً . . . فأضرَمَ نيرانَ الهَوى النَّظَرُ الخَلْسُ
تأبتْ قليلاً وهي تُرعَدُ خِيفةً . . . كما تتأتَّى حين تَعْتَدِل الشمسُ
فخاطبها صَمْتي بما أنا مُضْمِرٌ . . . وأَنْبَسْتُ حتى ليس يُسْمَع لي حِسُ
وولَت كما ولّى الشباب لِطِيّةٍ . . . طوَتْ دونها كَشْحاً على يَأسها النفسُ
وقال يصف بلاغةَ الفتح بن خاقان وشعره : الطويل :
سَمِعنا بأشعار الملوكِ ؛ فكلُها . . . إذا عَضَ مَتْنَيْه الثقافُ تأوَدَا
سوى ما رأينا لأمْرِئ القيس ؛ إننانراه متى لم يَشْعُر الفَتْحُ أوْحَدا
أقام زماناً يَسْمَعُ القولَ صامتاً . . . ونحسبه إن رام أكْدَى وأصْلَدا
فلما امتطاه راكباً ذل صعبُه . . . وسار فأضحى قد أغار وأنجَدَا
والفتح بن خاقان يقول : الطويل :
وإني وإياها لكالْخَمْرِ ، والفتى . . . متى يستَطِع منها الزيادةَ يَزْدَدِ
إذا ازدَدْتُ منها زاد وَجْدِي بقُرْبها . . . فكيف احتراسِي مِنْ هوًى متجددِ ؟ وكتب إلى أبي الحسن عبيد الله بن يحيى : وإن أميرَ المؤمنين لمَا استْخلَصك لنفسه ، وائتمنك على رعيته ؛ فنطق بلسانك ، وأخذَ وأعطى بيدك ، وأوْرَدَ وأصدْرَ عن رأيك ، وكان تفويضُه إليك بعد امتحانه إياك ، وتَسلِيطه الحقّ على الهوى فيك ، وبعد أن مثل بينك وبين الذين سمَوا لمرْتَبتك ، وجرَوْا إلى غايتك ، فأسقطهم مَضَاؤُك ، وخَفُوا في ميزانك ، ولم يزدك - أكرمك الله - رفعة وتشريفاً إلا ازددتَ له هيبةً وتعظيماً ، ولا تسليطاً وتمكيناً ، إلا زِدْتَ نفسك عن الدنيا عُزوفاً وتنزيهاً ، ولا تقريباً واختصاصاً ، إلا ازددتَ بالعامة رأفةً وعليها حدَبا ، لا يخرجك فَرطُ النصح له عن النظر لرعيته ، ولا إيثار حقه عن