وقد يتفنن الشعراء فيعدّون أنواعَ الفضائل الأربع وأقسامها ، وكلّ ذلك داخل في جملتها ؛ مثل أن يذكروا ثقابَةَ المعرفة ، والحياءَ ، والبيانَ ، والسياسة ، والصدْعَ بالحجة ، والعلم ، والحلم عن سفاهة الْجَهَلةِ ؛ وغير ذلك ممّا يَجْرِي هذا المجرى ، وهو من أقسام العقل . وكذكرهم القناعة ، وقلّة الشَرهَ ، وطهارة الإزار ؛ وغير ذلك أيضاً من أقسام العِفة . وكذِكْرِهم الحماية ، والأخْذَ بالثَّار ، والدفاع ، والنكايةَ ، والمهابة ، وقَتْلَ الأقران ، والسير في المَهَامِه والقفار ؛ وما يشاكلُ ذلك ، وهو من أقسام الشجاعة ؛ وكذِكرهم السماحة ، والتغابن ، والانظلام ، والتبرّع بالنائل ، وإجابة السائل وقِرَى الأضياف ؛ وما جانس هذه الأشياء ، وهو من أقسام العدل .
فأمّا تركيب بعضها على بعض فتحدث منها ستة أقسام : يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة : الصبرُ على الملمات ، ونوازِلِ الخطوب ، والوفاءُ بالوعود . وعن تركيب العقل مع السخاء : إنجازُ الوعد ، وما أشبه ذلك . وعن تركيب العقل مع العفة : التنزه والرغبةُ عن المسألة ، والاقتصار على أدنى معيشة ، وما أشبه ذلك . وعن تركيب الشجاعة مع السخاء : الإخلاف ، والإتلاف ، وما أشبه ذلك . وعن تركيب الشجاعة مع العفة : إنكارُ الفواحش ، والغيرةُ على الحُرَم . ومن السخاء مع العفة : الإسعاف بالقوت ، والإيثارُ على النفس ، وما شاكَلَ ذلك . وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع وَسَط بين طرفين مذمومين .
وقد قال أبو جعفر محمد بن مناذر لمّا حجَ الرشيد مع البرامكة : الطويل :
أتانا بنو الأملاكِ مِنْ آلِ بَرْمَكٍ . . . فيا طِيبَ أخْبَارٍ ، ويا حُسنَ مَنظرِ
لهم رِحْلة في كلّ عام إلى العِدا . . . وأُخْرى إلى البيتِ العتيقِ المُشَهّرِ
فتُظلِم بغداد ، ويَجْلو لنا الدُّجَى . . . بمكةَ ما حَجوا ثلاثةُ أقمُرِ
إذا نزلوا بطحاءَ مكة أشرقَتْ . . . بيَحْيَى وبالفضل بن يحيى وجعفرِ
فما خُلِقَتْ إلا لجودٍ أكفُهم . . . وأقدامُهم إلا لأغوَادِ مِنبَرِ
إذا راضَ يحيى الأمرَ ذَلَتْ صِعَابهُ . . . وحَسْبُك مِن راعِ له ومدبرِ
ترى الناسَ إجلالاً له وكأنهم . . . غَرانِيقُ ماءً تحت بازٍ مُصَرصِرِ