عن رسالته ، فلم نَدْر ما نقول ، ونظر بعضُنا إلى بعض فقال : أمَا عندكم جواب ؟ قلنا : القاضي - أعزّه اللّه ، أعلمُ بجوابه منّا ، فقال للرسول : اقرَأْ عليه السلام ، وقلْ له : ما أتيتك متكثراً بك من قلة ، ولا متعززاً بك من ذِلَة ، ولا طالباً منك رُتْبة ، ولا شاكياً إليك كُرْبَة ، ولكنّك رجلٌ ساعدَك زَمَان ، وحرَكَك سلطان ، ولا علم يُؤلف ، ولا أصل يُعْرَف ؛ فإن جِئتك فبسلطانك ، وإن تركتك فلنفسك فعَجبْنا من جَوَابِه .
خالد بن عبد اللّه القسْري
صعد خالدُ بن عبد اللّه القسري المنبر يومَ جمعة ، فخطب وهو إذْ ذاك أميرٌ على مكة ، فذكر الحجَّاج فأحْمَد طاعتَه ، وأثْنى عليه خيراً ، فلمّا كان في الجمعة الثانية وردَ عليه كتابُ سليمان بن عبد الملك يأمرُه فيه بِشَتْم الحجّاج وذِكْرِ عيوبهِ ، وإظهار البراءة منه ، وصعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : إن إبليس كان مَلَكاً من الملائكة ، وكان يُظْهِر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترَى له بذلك فضلاً ، وكان الله تعالى قد علم من غِشّه ما خَفِيَ عن الملائكة ، فلّما أراد الله فضيحتَه ابتلاه بالسجود لآدم ، فظهر لهم ما كان يُخْفيه عنهم فلعنوه ؛ وإن الحجاجَ كان يُظْهِر من طاعة أمير المؤمنين ما كنَّا نرى له بذلك فضلاً ، وكان الله عزّ وجلّ ، أطْلَعَ أميرَ المؤمنين من غِلَه وخُبْثه على ما خَفِيَ عنّا ، فلما أراد الله فضيحتَه أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين ، فالْعَنُوه ، لعنهُ الله . ثم نزل .
أبو تمام والأفشين
وكان أبو تمام قد مدح الأفشين التركي ، واسمه خيذر بن كَاوُس ، وكان من أجلّ قُوَاد المعتصم ، وأبْلَى في أمر بابك الخُرّمِيَ بلاءً حمده له ؛ فلما سَخِطَ المعتصمُ عليه لِمَا نُسِبَ إليه من سوء السيرة ، وقُبْح السريرة ، وأنه يخْطب درجة بابك ، ويريد التحصن بموضع يَخْلَع فيه يدَه عن الطاعة ، وأظْهر القاضي أحمد بن أبي دُواد عليه أنه على غير الإسلام ، قال أبو تمام معتذراً للمعتصم من تقديمه واجتبائه ، ولنفسه من مدحه وإطرائه : الكامل :
ما كان لولا فحشُ غدرة حيدرٍ . . . ليكونَ في الإسلام عامُ فِجَارِ
هذا الرسول وكان صفوةَ ربِّهِ . . . من خَيْرِ بادٍ في الأنام وقارِ