ابن أبي دُوَاد
وكان ابن أبي دُوَاد غالياً في التعصُب لإياد وإلحاقها بنزار ، على مذهب نُسَاب العَدْنانيين . قال : وكل من بالعراق من إياد دخلوا في النَخَع ، وإليهم يُنْسَبون ؛ ومَنْ كان بالشام فهم على نسبهم في نزار ، وابن أبي دُوَاد يرمى بالدعوة ؛ والتكثيرُ من أخباره يُخْرِجُ إلى ما أخَافَهُ من تَطْويلِ التصرُف ، في مملول التكلُفِ .
وكان ابن أبي داود عالماً بضروبِ العِلم والأدب ، متصرّفاً في صناعة الجِدال ، على مذهبِ أهل الاعتزال ، وكانت العداوة بينه وبين ابن الزيات بينة ، والنفاسة في الرياسة بينهما متمكَنة ، وقال له بعض الشعراء : الوافر :
أكلّ أبي دُوادٍ من إيادِ . . . فكل أبي ذؤيبٍ من هُذَيلِ
قال مسلم : ما تاه إلاَ وضيع ، ولا فاخر إلا سقيط ، ولا تعصَب إلاَّ دَخِيل .
وقال مدني لرجل : ممن أنت ؟ فقال : من قريش ، والحمد لله ، قال : بأبي أنت التحميد هاهنا ريبة واسم أبي دُوَاد دُعْمِيّ ، قال أبو اليقظان : وهم من قبيلة يقالُ لها بنو زهرة أخوة بني جدان ، وقد ذكرهُ الطائي في قوله : الكامل :
والغيث من زهْرٍ سحابةُ رَأفةٍ . . . والركنُ من شيبانَ طَوْدُ حديدِ
ذكر شيبان ؛ لأن خالدَ بن يزيد الشيباني شَفَع له عند ابن أبي دُوَاد فيما ينساقُ الحديثُ إليه من مَوْجِدَتِه عليه . قال محمود الوراق : كنتُ جالساً بطَرفِ الْجِسْر مع أصحاب لي ، فمرَ بنا أبو تمام ، فجلس إلينا ، فقال له رجل منّا : يا أبا تمّام ، أيّ رجل أنْتَ لو لم تكن من اليَمَن ؟ قال : ما أحب أني بغير الموضع الذي اختاره اللَهُ لي ، فَمِفَن تحِب أن أكونَ ؟ قال : من مُضَر ، قال : إنما شَرُفَتْ مُضَر بالنبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولولا ذلك ما قيسوا بملوكنا وأذْوائنا ، وفينا كَذَا ، ومنا كذا - يَفْخَر ؛ وذكر أشياءَ عاب بها مُضَر ، ونُمِي الخبرُ إلى ابن أبي دُوَاد وزِيدَ فيه ، فقال : ما أُحِب أنْ يَدْخُلَ علَيَّ ، فقال يعتذر إليه بقصيدة أولها : الخفيف :
سَعِدَتْ غُرْبةُ النوَى بسُعَادِ . . . في طلوع الإتْهامِ والإنجادِ
يقول فيها :
بعد أن أصْلَت الوُشاةُ سُيُوفاً . . . قَطَعَتْ فيَ وَهْيَ غيرُ حِدَادِ