ولما قال المأمونُ لعبد اللّه بن طاهر عند قدومه من مصر : ما سرَني اللَهُ منذ ولّيتُ الخلافةَ بشيءً عظُم موقُعه عندي ، بعد جميل عافيةِ الله ، هو أكثر من سروري بقدومك ، فقال عبدُ اللّه : إيذَنْ لي يا أميرَ المؤمنين ، في تفريق أَمْوالي من طَارِفٍ وتالد . قال : ولم ؟ قال : شكراً على هذه الكلمة ؛ وإلاَ قَصَّر بي الحياءُ عن النظرِ إلى أمير المؤمنين ، فقال المأمون لمَنْ حضر من أهل بيته وقوَاده : ما شيءٌ من الخلافة يَفِي لعبد اللّه ببعض شكره .
وقال أبو نواس : الكامل :
قد قلتُ للعباس معتذراً . . . عن ضعف شُكْرِيه ومُعْتَرفا
أنتَ امرؤٌ جَلَلْتَنِي نِعَماً . . . أَوْهَتْ قُوى شكري فقد ضَعُفَا
فإلَيْكَ مني اليوم تَقْدِمةً . . . تَلْقَاك بالتَّصريح منكشفا
لا تُسْدِيَنَ إلي عارِفةً . . . حتى أقومَ بشكر مَا سَلَفا
عارضه الناشئ واعترض معناه ، فقال : الكامل :
إنْ أَنْتَ لم تُحْدِثْ إليَ يداً . . . حتى أقومَ بشُكرِ ما سَلَفَا
لم أَحْظَ مِنكَ بنائل أبداً . . . ورجَعْتُ بالْحِرْمان مُنْصَرِفا
وقال ابن الرومي : الخفيف :
عاقَنا أنْ نعودَ أنَكَ أَوْلَي . . . تَ أموراً يَضيقُ عَنْهَا الجزاءُ
غَمَرتْنا مِنْكَ الأيادي اللّواتي . . . ما لِمِعْشارِها لَدَيْنا كِفاءُ
فَنَهانا عنك الحياءُ طَوِيلاً . . . ثُمَ قد رَدَنا إلَيْك الحياءُ
ولَمَا حقَّ إنْ قَرُبْتَ التنائي . . . ولَمَا حقَّ إنْ بَرَزْتَ الجفاءُ
غَيْرَ أنا أنْضاءُ شُكْرٍ أُريحتْ . . . وقَدِيماً أريحَتِ الأنضاءُ
ألفاظ لأهل العصر في العجز عن الشكر لتكاثر الإنعام والبرّ
عندي من بره ما ملك الاعتذار بأَزِمَتِه ، وقبض أَلسِنةَ أمراء الكلام وأئمته . عندي له