سعودُها ، وغابت عُذالُها . ليلة كالمسك منظَرُها ومَخْبَرُها . ليلة هي باكورةُ العُمْر ، وبِكْرُ الدهر : ليلة ظلماتها أنوار ، وطِوال أوقاتها قِصَار .
الفضل بن سهل
كان سبب اتصال سعيد بن هُرَيْم بذي الرياستين الفَضلِ - وسمي ذا الرياستين ؛ لأنه جمع بين رياسة القلم ورياسة التدبير للَمأمون - أنه دخل عليه يوماً ، فقال : الأَجَل آفَةُ الأمل ، والمعروف ذُخْرُ الأَبد ، والبِرُ غنيمة الحازم ، والتفريط مصيبةُ أخي القدرة ، وإنا لم نَصُنْ وجوهَنا عن سؤالك ، فصُنْ وجهك عن ردِّنا ، وضَعْنا من إحسانك بحيث وضَعْنَا أنْفُسَنا من تأميلك .
فأمر أن يُكْتَب كلامُه ، وسماه سعيداً الناطق ، ووصله المأمون فخص به .
فلحقته في بعض الأوقات جَفْوَة من الفضل ، فكتب إليه : يا حافظَ مَنْ يَضع نفسَه عنده ، ويا ذَاكِرَ مَنْ نَسِيَ نصيبه منه ، ليس كتابي إذا كتبتُ استبطاءً ، وما إمساكي إذا أمسكتُ استغناء ، فكتبت مذكِّراً لا مستقصراً فِعْلَك . فوصله وأَحْسَن إليه .
وقد رُوِي بعضُ هذا الكلام المنسوب إلى سعيد بن هريم لأبي حفص الكرماني مع ذِي الرِّياستين .
ويقول أبو محمد عبد اللّه بن أيوب التميمي : الطويل :
لعَمْرُكَ ما الأَشْرَافُ في كلِّ بَلْدة . . . وإنْ عَظُمُوا لِلَفضْل إلاَ صَنَائِعُ
تَرَى عُظَماءَ الناس لِلْفَضْل خُشَعاً . . . إذا ما بَدَا ، والفَضْلُ لِلَهٍ خاشعُ
تَوَاضَعَ لمَّا زاده اللَهُ رِفعةً . . . وكلّ جليل عنده مُتَواضِعُ
وقال إبراهيم بن العباس : مجزوء المتقارب :
لفضل بن سَهْل يد . . . تقاصرَ عَنْهَا المَثَلْ
فباطِنُها للندى . . . وظاهِرُها للقُبَلْ
وبَسْطَتُها لِلْغِنَى . . . وسَطْوَتُها لِلأَجَلْ
أخذه ابنُ الرومي فقال لإبراهيم بن المدبر : الكامل :
أصْبَحْتُ بين ضَرَاعةٍ وتَجمل . . . والمرءُ بينهما يموتُ هزيلا