فقال : هذا حسَنٌ في معناه ، وأعوذ باللّه من مثله ؛ ولكني أنشدك في ضدّه من قولي ، وأنشدني : الوافر :
وليل ثم يُقَصَرْهُ رُقادٌ . . . وقصَّر طولَه وَصْلُ الحبيبِ
نَعيمُ الحبّ أوْرق فيه حَتَّى . . . تناوَلَنا جَناهُ من قريبِ
بمجلس لذَّةٍ لم نَقْوَ فيه . . . على شكْوَى ولا عَدِّ الذنوبِ
بَخِلْنا أن نقطّعه بلَفْظٍ . . . فتَرْجَمَتِ العيونُ عن القُلوبِ
فقلت له : زدني فما رأيت أظرفَ منك شعراً ؛ فقال : أمَّا هذا الباب فحسبك ، ولكن أنشدك من غيره : الوافر :
وكنت إذا عَلِقْت حبالَ قوم . . . صَحِبْتُهُمُ وَشِيمَتيَ الوفاءُ
فأحسِنُ حين يُحْسِنُ محسنوهُمْ . . . وأجتنب الإساءَة إن أساءوا
أشاء سوى مشيئتهمْ فآتي . . . مشيئتهمْ وأتركُ ما أشاء
قال الأصمعي : قرأت على أبي مُحْذر خلف بن حيّان الأحمر شعرَ جرير ، فلمّا بلغت إلى قوله : الطويل :
ويوم كإبهامِ القَطاةِ محبّبٍ . . . إليّ صباهُ غالبٌ ليَ باطِلُهْ
رُزِقْنا به الصّيد العزيزَ ولم نكن . . . كمن نَبْلُهُ مَحْرُومةٌ وحبَائِلُهْ
فيا لك يومٌ خَيْرُه قبل شرِّهِ . . . تغيّب واشيه وأقْصرَ عاذِلُهْ
فقال خلف : وَيْحَه فما ينفعه خيرٌ يؤول إلى شرّ ؟ فقلت له : كذا قرأته على أبي عمرو بن العلاء ، فقال لي : وكذا قال جَرير ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلاَّ ما سمعَ ، قلت : فكيف كان يَجبُ أن يكونَ ؟ قال : الأجْوَد أن يقولَ : خيرُهُ دون شرِّه ، فارْوِه كذلك ، فقد كانت الرواةُ قديماً تُصْلِحُ أشعارَ الأوائل ، فقلت : واللّه لا أرويه بعدها إلاَ كذا .
ومن أجود ما قيل في قِصَر الليل قول إبراهيم بن العباس : الرجز :
وليلةٍ من الليالي الغُرِّ . . . قابلتُ فيها بَدْرَها ببَدْرِي
لم تَكُ غير شفَق وفَجْرِ . . . حتى تَقَضَّت وهي بِكْرُ الدَهْرِ
وقال محمد بن أحمد الأصبهاني فيما يتعلّق بهذا المعنى وإن كان في ذكر النهار : الخفيف :
كيف يُرْجَى لمقلتيَّ هُدُو . . . ورُقادي لطَرْفِ عَيْني عَدُوّ ؟ بأبي مَنْ نَعِمْتُ منه بِيَوْم . . . لم يَزَلْ للسرورِ فيه نمُو