قد علمت - أصْلَحك اللهُ - أنّ الكريمَ المنكوب أجْرَأ على الأحرار من اللئيم الموفور ؛ لأن اللئيم يزيدُ مع النّعْمَةِ لُؤْماً ، والكريم لا يزيدُ مع المِحْنَةِ إلاَ كرماً ، هذا متَّكِلٌ على رازقه ، وهذا يُسيء الظنّ بخالقه ، وعبدك إلى مِلك كافور فقيرٌ ، وثمنه على ما اتَّصلَ بي يَسير ؛ لأنه بخدمته السلطان يعرّفني الرؤساء والإخوان ؛ ولست بواجدٍ ذلك في غيره من الغلمان ؛ فإنْ سمحت به فتِلك عَادَتُك ، وإن أمرت بأَخْذِ ثمنه فَمالُكَ مادَتي ، أدام الله دَوْلَتَك ، واستقبل بالنعمة نكْبَتَك . فأَمَر لَهُ به .
وسمع ابن مكرم رجلاً يقول : من ذهب بَصَرُه قلَّت حيلته ، قال : ما أَغْفَلك عن أبي العَيْناء وكتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان : أنا - أعزك اللّه تعالى - ووَلَدِي وعيالي زَرْع من زَرعك ، إن سقيتَه راعَ وزَكا ، وإن جفَوْتَه ذَبُل وَذوَى ؛ وقد مسّني مِنْكَ جَفاءٌ بعد بر ، وإغفالٌ بعد تعاهُد ، حتى تكلم عدو ، وشَمِت حاسِدّ ، ولعبت بي ظنونُ رجالٍ كُنْتُ بهم لاعباً ، ولهم مجرساً ، وللَّهِ درُ أبي الأسود في قوله : الرمل :
لا تُهِني بعد إذ كْرَمْتَني . . . وشديد عادةٌ مُنتزَعًهْ فوقع في رقعته : أنَا - أَسعدك الله - على الحال التي عَهِدْتَ ، ومَيْلي إليك كما علمت ، وليس من أنْسَأنَاه أهْمًلْناه ، ولا من أخرْنَاه تركْناه ، مع اقتطاع الشغل لنا ، واقتسام زماننا ، وكان من حقَكَ علينا أن تذكرَنا بنفسك ، وتعلمنا أمْرَك ؛ وقد وقعت لك برزْقِ شَهْرَين ؛ لتريح غلتك ، وتعرفني مبلغَ استحقاقك ، لأُطْلِقَ لك باقيَ أرزاقك ، إنْ شاء الله ، والسلام .
وكان إذا خرج من داره يقول : اللهم إنّي أعوذُ بك من الركبِ والرُكُب ، والآجر والخَشب ، والزوَايا والقِرَب .
قطعة من خطابه وجوابه : دخل على أبي الصقر بعدما تأخَّرَ عنه ، فقال : ما أخرَكَ عنا ؟ قال : سُرِق حماري ،