كان هذا الجود ميتاً . . . عادَه منك المسيح
هذه - أطال الله بقاءَ الأمير - هديّة الوقت ، وعَفْو الساعة ، وفَيْضُ البديهة ، ومسارقة القلم ، ومسابقة اليَدِ للفم ، وجمرات الحدّة ، وثمرات المدّة ، ومجاراة الخاطر للناظر ، ومباراة الطَّبْع للسَّمْع ، ومجاذبة الجنان للبيان ، والشعر إذا لم تقدّمه روّية ، ولم تنضجه نيّة ، لم يفتح له السمع بابه ، ولم يرفع له القلب حجابه ، وإذا لبس الأمير هذه على علاّتها رجوت أن يكون بعدها ما هو أفتن وأحسن وأرصن ، فرأيه أيّده اللّه في الوقوف عليها موفقاً إن شاء الله .
وله إليه معاتبة : الطويل :
لَئِنْ سَاءَني أَنْ نِلْتني بمسَاءَةٍ . . . لقد سرَّني أنّي خَطَرْتُ ببالِكَ
الأمير الفاضل الشيخ الرئيس ، أطال اللَّهُ بقاءهُ إلى آخر الدعاء ، في حَال برّه وجفائه مُتَفَضل ، وفي يومَيْ إبعاده وإدْنَائِه مُتَطَوِّل . وهنيئاً له من حِمَانا ما يُحِلُه ، ومن عُرَانا ما يَحُله ، ومن أعْرَاضِنا ما يستحلُّه ، بلغني أنه - أدام اللَّهُ عِزه - استزاد صنيعته ، وكنت أظنني مجنيًّا عليه ، مُساءً إليه ، فإذا أنا في قرارة الذَّنْبِ ، وبمثابة العتْب ، وليت شعري أيّ محظور في العشرة حَضَرْته ، أو مفروض من الخِدْمة رَفَضْتُه ، أو واجبٍ في الزيارة أهْمَلْتُهُ . وهل كنتُ إلاَ ضيفاً أهداه بَلدٌ شاسع ، وأدَّاه أمل واسع ، وحَداه فَضْلٌ وإن قلّ ، وهدَاهُ رأيٌ وإنْ ضَلّ ، ثم لم يُلْقِ إلاَّ في آلِ مِيكَالَ رَحْلَه ، ولم يَصِلْ إلاَ بهم حَبْلَه ، ولم يَنْظِم إلاَّ فيهم شِعْرَه ، ولم يَقفْ إلاّ عليهمِ شُكْرَه ، ثم ما بَعُدَت صحبةٌ إلاَّ دَنَتْ مَهَانةً ، ولا زادت حُرْمَة إلاَّ نقصت صيانة ، ولا تضاعَفتْ مِنّة إلاّ تراجعت مَنْزِلة ، ولم تزل الضعَة بنا حتى صار وابلُ الإعظام قَطْرَة ، وعاد قميصُ القيام صُدْرَة ، وذلك التقربُ أزْوِرَاراً ، وطويل السلام اختصاراً ، والاهتزازُ إيماء ، والعبارة إشارة ؛ وحين عاتبته آمل إعتابه ، وكاتبته أنْتِظِر جوابه ، وسألته أرجو إيجابه ، أجاب بالسكوت ، وأَعْتَب بالقُنُوت ، فما ازددت إلا له ولاءً ، وعليه ثناءً ؛ لا جَرَم إني اليوم أبيضُ وَجْهِ العهد ، واضح محجَّةِ الوُد ، طويلُ عِنَان القول ، رفيع حِكْمَةِ العُذْر ؛ وقد حمَلت فلاناً من الرسالة ما تجافَى عنه القلم ؛ والأمير الرئيس أطال الله بقاءَه يُنْعِمُ بالإصغاء لما يورده موفقاً إنْ شاء اللّه . وله إليه في هذا الباب : أنا في خدمة الأمير الرئيس - أطال الله بقاءَه - مترجحٌ بين أَنْ أشْرَبها رنقة ولا