وقال أعرابي : الرجز :
قد ترك الدَهْرُ صَفَاتِي صَفْصَفَاً . . . فصار رَأسِي جَبْهَةً إلى القَفَا
كأنه قد كان رَبْعاً فَعَفَا
قال أعرابيّ لسليمان بن عبد الملك : إني أكلّمك يا أميرَ المؤمنين بكلام فاحتمله ، فإنَّ وراءَه إن قبِلتَه ما تحبّه ، قال : هاته يا أعرابي ، فنحن نَجُودُ بسعَةِ الاحتمال على مَنْ لا نأْمن غَيْبته ، ولا نرجُو نصيحته ، وأنت المأمون غيباً ، الناصح جَيْباً . قال : فإني سأُطْلِقُ لساني بما خَرِست عنه الألسن ، تأديةً لحقّ الله تعالى ؛ إنه قد اكتنفك رِجَالٌ أساءوا الاختيارَ لأنفسهم ؛ وابتاعوا دُنْيَاك بدينهم ، ورضاكَ بسَخَطِ ربّهم ، وخافوك في الله ولم يخافوا اللَّه فيك ، فهم حرب للآخرة ، وَسَلْم للدنيا ، فلا تأْمَنْهم على ما ائتمنك اللَّهُ عليه ؛ فإنهم لم يَأْلُوا الأمانةَ تضييعاً ، والأمة كسفاً وخَسْفاً ، وأنت مسؤول عما اجترموا ، وليسوا مسؤولين عمّا اجترمْت ؛ فلا تُصلِحْ دنياهم بفساد آخرتك ؛ فإن أعظَم الناسِ عند اللّه غَبَناً مَنْ باع آخِرَتَه بدُنْيَا غيره .
فقال سليمان : أما أنت يا أعرابي ، فقد سللت لسانك وهو سَيْفُك ، قال : أجل يا أمير المؤمنين ، لك لا عليك .
وروى العتبي عن أبيه عن مولى لعمرو بن حريث قال : شخصت إلى سليمان بن عبد الملك ، فقيل لي : إنك تَرِدُ على أفصح العرب ، وسيسألك عن المطر ، فانْظُرْ ما تجيبه ، فقلت : ما عندي من الجواب إلاّ ما عند العامّة ، فقيل لي : ما ذلك بمُقْنِع عنده ، فلقيني أعرابي فقلت : هل لكَ في درهمين . فقال : إنّي واللّه محتاج إليهما ، حريصٌ عليهما ، فما شَأنُك ؟ فقلت : لو سألك سائل عَنْ هذا المطر بمَ كنت تُجيبه ؟ قال : أو يَعْيَا بهذا أحد ؟ قلت : نعم ، سَائِلُكَ قال : أَتَعْيَا أن تقول : أصابتنا سماءٌ ، عَمد لها الثَّرى ، واتصَل بها العُرَى ، وقَامَتْ منها الغُدُر ، وأتتك في مثل وِجَار الضَّبُعِ ؟ فكتبتُ الكلامَ ، وأعطيتُه درهمين : فكان هِجِّيرَايَ على الرَاحلة ، فإذا نزلت أقْبَلت عليه وأمثل نفسي كأني واقفٌ بين يديه ، وقد سلَّمت عليه بالخلافة وهو يَسْأَلني عن المطر