إلى صالح عمل ، أو لَيْبَعثه على دائبِ شُكْرٍ ليُحْرِز به فَضْلَ أجْر .
فأمرها الملك أن تقومَ فيهم فتنذرهم بهذا الكلام ، ففعلت ، فرجع القومُ وقد علم الله منهم قبولَ الوَعْظِ في الأمر والنهي ؛ فحال عليهم الْحَول وما منهم مفتقد نِعمةٍ كان سُلِبَها ، وتواترت عليهم الزيادات بجميل الصنع ؛ فاعترف لها الملك بالفضل ، فقلدها المُلْك ؛ فاجتمعت الرعية لها على الطاعة في المكروه والمحبوب .
قال : وهذا وهم أعداء الله تعالى ، وضرائر نِعمته ، ومستوجبو نِقْمَته ، أعادَ لهم بالشكر ما أرادوا ، وأعطاهم بالإقرار له بكُنْه قدرته ما تمنوا ، فكيف بمن يجمَعُه على الشكر نورانِ اثنان : قرآن منزل ، ونبي مرسل ، لو صدقت النياتُ ، واجتمعت على الافتقار إليه الطلبات ؛ لكنهم أنكروا ما عرفوا ، وجهلوا ما علموا ، فانْقَلبَ جدُهم هَزلاً ، وسكوتُهم خَبلاً .
قطعة صادرة من أقوال الملوك دالة على فضل كرمهم وبعد هممهم
غضِب كسرى أنو شروان على بعض مَرَازبته ، فقال : يُحَطُ عن مرتبته ، ولا ينقص من صِلَته ؛ فإن الملوك تؤدب بالهجران ، ولا تعاقِب بالحِرْمَان .
واصطنع أنو شروان رجلاً فقيل له : إنه لا قديمَ له . قال : اصطناعُنا إياه شرفه . قال معاوية ، رضي الله عنه : نحن الزمان ، من رَفَعْناهُ ارتفع ، ومن وضعْناه اتضع . وكان يقول : إني لآنفُ من أن يكون في الأرض جَهْل لا يسَعُهُ حِلْمِي ، وذَنْبٌ لا يسَعُهُ عفوي ، وحاجة لا يَسَعُها جُودي .
عبد الملك بن مروان - أفضل الناس مَن تَوَاضَعَ عن رفعة ، وعَفا عن قُدْرَة ؛ وأنْصَف عن قُوة .
زياد - استشفعوا لِمَن وراءكم ؛ فليس كل أحدٍ يصلُ إلى السلطان ، ولا كل من وصل إليه يَقدِرُ على كلامه .
المهلب - عَجبتُ لمن يشتري المماليك بماله ، كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه وقد روى هذا لابن المبارك . وقال لبنيه : يا بني ، أحسن ثيابكم ما كان على غيركم .
قال أبو تمام الطائي يَستهدِي فَرواً ، وعرض بقول المهلب : الطويل :
فهل أنتَ مُهدِيه بمثل شكيره . . . من الشُكر يعلو مُصعِداً ويصوبُ ؟