وكان يَرى الدنْيَا صغيراً عظيمُها . . . وكان لأمْرِ اللَهِ فيها مُعَظِّما
وأكْثرُ ما تلْقَاهُ في الناس صامِتاً . . . وإنْ قال بَز القائلين فأفْحَما
يُشِيعُ الغِنَى في الناس إن مَسَّهُ الغِنى . . . وتلقى به البأْساءُ عيسى بن مريما
أَهان الهوى حتى تجنَّبه الهوى . . . كما اجتنب الجاني الدم الطالبَ الدَّما
ألفاظ لأهل العصر في ذكر التقى والزهد
فلان عَذْب المَشْرب ، عَفّ المَطْلَب ، نَقيّ الساحة من المآثم ، بَرِيء الذمة من الجرائم ، إذا رضي لم يَقُلْ غيرَ الصدق ، وإذا سخِط لم يتجاوَزْ جانِبَ الحق ، يرجعُ إلى نفسٍ أمَّارة بالخير ، بعيدةٍ من الشر ، مدلولة على سبيل البِر ؛ اعْرَض عن زِبْرجِ الدنيا وخُدَعها ، وأقبل على اكتساب نِعَم الآخرة ومُنَعِها . كَفَ كَفَه عن زُخْرف الدنيا ونَضْرَتها ، وغَضَّ طَرْفَه عن متاعها وزَهْرتها ، وأعرض عَنهَا وقد تعرَضتْ له بزينتها ، وصدَ عنها وقد تصدَّت له في حِلْيتها .
فلانٌ ليس ممن يَقِف في ظل الطمع ، فيُسِف إلى حَضيض الطَّبَع ، نَقيّ الصحيفة ، عَلي عن الفضيحة ، عَف الإزار ، طاهر من الأَوْزَار ، قد عاد لإصلاح المعاد ، وإعداد الزاد .
وكان ابن المقفع من أشراف فارس ، وهو من حكماء زمانه ، وله مصنّفات كثيرة ، ورسائلُ مختارة ، وكان مُحْجِماً عن قول الشعر ، وقيل له : لم لا تقولُ الشعر ؟ فقال : الذي أرضاه لا يَجِيئني ، والذي يجيءُ لا أَرْضاه .
أخذ هذا بعضُهم فقال : الطويل :
أبى الشعرُ إلا أن يَفيءَ رَدِيهُ . . . إليَ ، ويَأْبى منه ما كانَ مُحْكَما
فيا ليتني إذْ لم أجِدْ حَوْكَ وَشْيِهٍ . . . ولم أكُ من فرْسانه كنت مُفْحَما