وقال أبو حيّة النميري : الطويل :
كفى حَزَناً أنِّي أرَى الماءَ مُعْرَضاً . . . لعيني ولكِنْ لا سبيلَ إلى الوِرْدِ
وما كنت أخْشَى أن تكون منيّتي . . . بكفّ أعزّ الناسِ كلّهم عِنْدي
قال ابنُ المقفَّع : كان لي أخ أعظم الناس في عيني ، وكان رَأس ما عظمه في عيني صِغر الدنيا في عينه ، وكان خارجاً من سلطان بَطْنِه ، فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يُكْثِر إذا وجد ، وكان خارجاً من سُلْطانِ فَرْجه ، فلا تدعوه إليه مؤنة ، ولا يتسخفّ له رأياً ولا بدناً ، وكان لا يتأثر عند نِعْمَةٍ ، ولا يستكينُ عند مصيبة . وكان خارجاً من سُلْطانِ لسانه ، فلا يتكلَمُ بما لا يعلم ، ولا يُماري فيما علم ، وكان خارجاً من سُلْطانِ الجهالة ، فلا يتقدَم أبداً إلا على ثقة بمنفعة ، وكان أكثر دَهره صامتاً ، فإذا قالَ بَزَ القائلين ، وكان ضعيفاً مستضْعَفاً ، فإذا جد الجدّ ، فهو اللَيثُ عادياً . وكان لا يدخل في دَعْوَى ، ولا يُشارِكُ في مِرَاء ، ولا يُدْلي بحُجة حتى يَرَى قاضياً فَهما ، وشهوداً عُدُولا . وكان لا يلومُ أحداً فيما يكونُ العُذْرُ في مثله حتى يعلَم ما عُذْرُه .
وكان لا يَشْكُو وجعه إلا عند مَنْ يرجو عنده البُرْء ، ولا يستشيرُ صاحباً إلا أنْ يرجوَ منه النصيحة . وكان لا يتبرَم ولا يتسخط ، ولا يتشكّى ولا يتشهّى ، ولا ينتقم من العدو ، ولا يَغْفُل عن الولي ، ولا يَخُصُّ نفسه بشيء دون إخوانه من اهتمامه وحيلته وقوتِه . فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها ، ولَنْ تطيق ، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع .
وعلى ذكر قوله : وإن قال بَرَّ القائلين قال ابن كناسة - واسمه محمد بن عبد الله ، ويكنى أبا يحيى - في إبراهيم بن أدهم الزاهد : الطويل :
رأيْتُك لا تَرْضَى بما دونه الرضا . . . وقد كان يَرْضَى دون ذاك ابنُ أدْهَما