والغصون ، قد سترت ما حوالَيْها من الأرْض طولاً وعرضاً ، فنزلنا تحتها مستظلِّين بسَماوَةِ أفْنَانِها ، مستَتِرينَ من وَهَج الشمس بستارة أغصانها ، وأخذنا نتجاذبُ أذيال المذاكرة ، ونتسالب أهْدَاب المُناشَدَة والمحاورة ؛ فما شعرنا بالسَماء إلاَ وقد أرْعَدَت وأبرقت ، وأظلمَتْ بعد ما أشرقت ، ثم جادت بمَطَرٍ كأَفْوَاه القِرَب فأَجادت ، وحكت أنامل الأجْوَاد ومدامع العشاق ، بل أوْفَتْ عليها وزادت ، حتى كاد غيثها يعود عَيْثاً ، وهَمَّ وَبْلها أن يستحيل وَيْلاً ، فصبرنا على أذاها ، وقلنا : سَحَابة صيفٍ عما قليل تَقَشَّع ، فإذا نحن بها قد أمطرتنا بَرَداً كالثغُورِ ، لكنها من ثغور العَذَاب ، لا من الثغورِ العِذَاب ، فأَيقنَا بالبَلاَء ، وسلَمنَا لأسباب القضاء ؛ فما مرت إلا ساعة من النهار ، حتى سمعنا خَرِيرَ الأنهار ، ورأينا السيْلَ قد بلغ الزُبَى ، والماء قد غَمَرَ القِيعان والرُبى ؛ فبادرنا إلى حِصْن القرية لائِذين من السَيْل بأفنيتها ، وعائذين من القطر بأبنيتها ، وأثوابنا قد صَندل كافوريها ماءُ الوَبْل ، وغلَف طِرازيها طينُ الوَحْل ، ونحن نحمدُ الله تَعالى على سلامة الأبدان ، وإن فقدنا بياضَ الأكمام والأردان ، ونشكره على سلامةِ الأنفس والأرواح ، شُكرَ التاجر على بقاء رأسِ المال إذا فجِع بالأرباح ؛ فبِتْنا تلك الليلة في سماءً تكِفُ ولا تكف ، وتبكي علينا إلى الصباح بأدمعٍ هَوَام ، وأربعة سِجام ؛ فلما سُلَّ سيفُ الصبح من غِمد الظلام ، وصُرِفَ بِوَالي الصحو عَامِلُ الغمام ، رأينا صوابَ الرأي أن نوسِع الإقامة بها رَفْضاً ، ونتخذ الارتحالَ عنها فَرْضاً ؛ فما زِلْنَا نطوي الصحارى أرضاً فأرضاً ، إلى أن وافينا المستقر ركضَاً ؛ فلمّا نَفَضْنَا غُبَارَ ذلك المسير ، الذي جمعنا في رِبْقَةِ الأسير ، وأفضيْنَا إلى ساحةِ التيسير ، بعد ما أُصبْنَا بالأمر العسير ، وتذاكَرْنا ما لقينا من التعب والمشقة ، في قطع ذلك الطريق وَطَي تلك الشقة ، أخذ الأمير السيد - أطال الله بقاءه - القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالاً : المتقارب
دهتْنَا السماء غداة السحَاب . . . بغيثِ على أفْقهِ مُسْبِل
فَجَاء برَعْدٍ له رَنة . . . كَرنةِ ثَكلى ولم تثكل
وثنى بوًبْل عَدا طَورَه . . . فعاد وَبَالاً على المُمْحِل