ديمة رَوَّت أديمَ الثرى ، ونبهت عيونَ النوْرِ من الْكَرى ، سحابة ركبت أعْنَاق الرياح ، وسَحَتْ كأَفْوَاه الجراح ، مطر كأفْواه القِرَب ، ووَحل إلى الركب ، أنْدِية مَنَّ اللّه معها على البيوت بالثبُوت ، وعلى السقوف بالوُقُوف ، أقْبل السَّيلُ يَنْحَدِرُ انحداراً ، ويحمل أحجاراً وأشجاراً ، كأن به جِنة ، أو في أحشائه أجِنَّة .
وبعض ما مرّ من هذه الألفاظ محلول نظام ما تقدّم إنشاده .
ولهم في مقدمات المطر
لبست السماءُ جلبَابها ، وسحبت السحائِبُ أذيالها ، قد احتجبت الشمسُ في سُرَادق الغَيم ، ولبس الجوُّ مُطْرَفَهُ الأدكَنَ ، باحت الريحُ بأَسْرارِ النَّدَى ، وضربت خيمَة الغمام ، ورشّ جيش النسيم ، وابتلّ جناحُ الهواء ، واغرورقت مُقْلة السماء ، وبَشَرَ النسيم بالندى ، واستعدت الأرضُ للقطر ، هبّت شمائل الجنائِب ، لتأليف شمل السحائب . تألّفت أشتاتُ الغيوم ، وأسبلت السُّتُور على النجوم .
وفي الرعد والبرق
قام خطيبُ الرَّعْدِ ، ونبض عِرْق البَرْقِ ، سحابة ارتجزت رَوَاعدها ، وأذهبت ببروقها مطاردها ، نطقَ لسانُ الرعد ، وخفق قَلْبُ البرق ، فالرعْدُ ذو صَخَبٍ ، والبَرْقُ ذو لَهَبٍ ، ابتسم البَرْقُ عن قهقهة الرعد ، زأرت أسْد الرعد ، ولمعت سيوف البَرْقِ ، رعدت سيوفُ الغمائم ، وبَرَقَتْ ، وانحلّت عَزَاليُ السماء فطبقت ، هَدَرت رَوَاعِدها ، وقربت أبَاعدها ، وصدقت مَوَاعدها ، كأن البرق قلب مَشُوق ، بين التهاب وخُفُوق .
ويتصل بهذه الأنحاء
ما حكاه عمر بن علي المطوعي قال : رأى الأمير السيد أبو الفضل عبيد اللّه بن أحمد - أدام الله عزَّه - أيام مُقامِهِ بجُوَيْن أن يطالع قريةً من قرى ضيَاعه تدعى نجاب على سبيل التنزّه والتفرُّج ، فكنت في جملة مَن استصحبه إليها من أصحابه ، واتفق أنّا وصلنا والسماء مُصْحِية ، والجوُّ صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام ، والأفق فًيْرُوزَج لم يعبق به كافور السحاب ؛ فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع ، متّسِقة الأوراق