فديتك ، أعْدَائي كثيرٌ ، وشُقتي . . . بعيدٌ ، وأشْيَاعي لديك قليل
فطَرِب وصرخ صَرْخَةً ، وضرب بالْقِربة إلى الأرض فشقّها ؛ فقامت الجارية تبكي ، وقالت : ما هذا بِجَزَائي منك ؛ أسْعَفْتُك بحاجتك فعرضْتَني لما أكره من مواليّ . قال : لا تغتمي فإنّ المصيبة عَلَيَّ حصلت ، ونزع الشَملة ووَضع يداً من خلف ويداً مر قُدَام ، وباع الشَمْلة وابتاع لها قِرْبةً جديدة ، وقعد بتلك الحال ؛ فاجتاز به رجلٌ من ولد عليّ بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - فعرف حاله ، فقال : يا أبا ريحانة ، أحسبك من الذين قال الله تعالى فيهم : ' فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين ' . قال : لا يا ابنَ رسُولِ اللّه ، ولكني من الذين قال اللّه تعالى فيهم : ' فَبَشّرْ عِبَادِ الَذِين يَسْتَمِعُونَ الْقَولَ فَيَتبِعُونَ أَحْسَنه ' ، فضحك ، وأمر له بألْفِ درهم .
ومرَ بالأوقص المخزومي ، وهو قاضي المدينة ، سكرانُ وهو يتغنَّى بليل ، فأشرف عليه ، وقال : يا هذا ، شَرِبت حَرَاماً ، وأيْقَظْتُ نياماً ، وغنّيت خطأ ، خُذهُ عني ، وأصلَح له الغناء .
وسمع سعيد بن المسيب منشداً ينشد : الطويل :
فلم ترَ عيني مثلَ سرْبٍ رأيتهُ . . . خرجن من التنعيم مُعْتَمرَاتِ
مَرَرْنَ بفَخّ ثم رُحْنَ عَشِيّةً . . . يلَبينَ للرَحْمن مؤتجراتِ
ولما رأتْ ركُبَ النميري أعرضَتْ . . . وكنَ مِنَ آن يلْقَيْنَهُ حَذِرات
دعت نسوة شُمَ العرانين بُزَلاً . . . نواعم ، لا شعْثاً ولا غَبَراتِ فأبرزن لما قمن يحجبنَ دونها . . . حِجَاباً من القَسِّيّ والحبراتٍ
تَضَوَّع طيباً بَطنُ نعمان إذ مشَتْ . . . به زينبٌ في نسوةٍ عَطِرَاتِ
يُخَبئن أطرافَ البنَان من التقَى . . . ويَخْرُجْن شطر الليل مُعْتَجِرات