الوَجْهِ ، مليح النغمة والإشارة ، ملتفَّ الأعْضاء ، بين الطويلِ والقصير ، مَسْنُونَ الوَجْه ، قائِم الأنف ، حسن العينين والمَضْحَك ، حُلْو الصورة ، لَطيفَ الكَفّ والأطراف ؛ وكان فصيحَ اللسان ، جَيِّدَ البيان ، عَذْب الألفاظ ، حُلْوَ الشمائل ، كثيرَ النوادر ، وأَعْلَمَ الناس كيف تكلمت العربُ ، رَاويةً للأشعار ، علامة بالأخبار ، كأن كلاَمه شعرٌ موزون .
وأقبل أبو شراعة العبسي ، والجَمَازُ في حديثه ، وكان أقبح الناسِ وجهاً ، وكانت يدُ أبي شَرَاعة كأنها كَرَبة نَخْل ؛ فقال الجماز : فلو كانت أطرافه على أبي شراعة لتمَ حُسْنُه ؛ فغَضِب أبو شراعة وانصرفَ يَشْتُمه . والجماز هو : أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر ، وكانوا يَزْعمون أنهم من حِمْيَر ، نالَهُمْ سِباء في خِلاَفَةِ أبي بكر ، رضي اللّه عنه ، وهم مَوَالِيه ، وسَلْم الخاسر عمّهُ ، وكان الجماز من أحْلَى الناسِ حكاية ، وأكثرِهم نادرة .
قال بعض جلساءِ المتوكّل : كُنَّا نكْثِر عند المتوكل ذِكْرَ الجماز حتى اشتَاقه ، فكتبَ في حَمْله إليه ، فلما دخل أُفْحِم ، فقال له المتوكل : تكلمْ فإنّي أُريدُ أن أسْتَبرئكَ ، فقال : بحَيْضَةٍ أو بحَيْضَتين يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال له الفتح : قد كلَّمتُ أميرَ المؤمنين يُولَيك على القرود والكلاب قال : أفلستَ سامِعاً مطيعاً . ؟ فضحك المتوكل وأمر له بعَشْرَةِ آلاف درهم .
وكان لا يُدْخِلُ بيتَه أكثر من ثلاثةٍ لضيقه ؛ فدعا ثلاثةً ، فجاءه ستّة ، وقَرَعوا الباب ، ووقفوا على رِجل رِجل فَعدَ أرجُلَهم من خَلْفِ الباب ، فلّما حصلوا عنده ، قال : اخرجُوا عني ، فإنما دعوتُ ناساً ولم أدعُ كَراكِي .