فإن تُنْكري مني احوِلالاً فإنني . . . أديبّ أريبٌ لا عييّ ولا فَدْمُ فاتصل بها الشعر ، فكتبَتْ إلي : إنَّا لم نرد أن نُولَيك ديوانَ الزمام وكان عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عدي بن أرطاة : إن قِبَلك رَجُلَيْن من مزينة - يعني بكر بن عبد اللّه ، وإياس بن معاوية - فَوَلِّ أحَدَهما قضاءَ البَصْرَة ؛ فأحضرهما ، فقال بكر : واللَّهِ ما أحْسن القضاء ؛ فإن كنتُ صادقاً فما تَحِلُّ تَوْليتي ، وإن كنتُ كاذباً فذلك أوجْبُ لِتركي ، فقال إياس : إنكم وَقَفْتُمُوه على شَفِير جهنَّم ، فافْتَدى منها بَيَمينٍ يكفرها ، ويستَغفِرُ اللّه تعالى منها ، فقال له عديّ : أما إذ اهتديت لها فأنْتَ أحقُّ بها ، فولاّه .
ودخل إيَاس الشام وهو غلام صغيرٌ ، فقدّم خَصْماً له إلى بعض القضاة ، وكان الْخَصْمُ شَيْخاً ، فصالَ عليه إياسٌ بالكلام ، فقال له القاضي : خَفَض عليك ، فإنه شَيخ كبير ، قال : الحقُّ أكْبَر منه ، قال : اسكت قال : فمَنْ يَنطِقُ بحجتي ؟ قال : ما أراك تقولُ حقاً ، قال : لا إله إلا اللّه فدخل القاضي على عبد الملك فأخبره ؛ فقال : اقْضِ حاجتَه الساعَةَ وأخْرجه من الشام لا يُفْسِد أهلَها وقال أحمد بن الطيب السَّرَخْسِي تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي : كنتُ يوماً عند العباس بن خالد ، وكان ممن حبَّب اللّه إليه أن يتحدَّث ، فأخذ يحدّثني ، ويتنقلُ من حديثٍ إلى حديث ، وكنّا في صَحْنٍ له ، فلما بلغتنا الشمس انتقلنا إلى موضع آخر ، حتى صار الظلّ فَيْئاً ؛ فلمّا أكْثَر وأضْجَر ، ومللت حُسْنَ الأدبِ في حُسْنِ الاستماع ، وذكرت قول الأوزاعي : إن حسنَ الاستماع قوة للمحدث ، قلت له : إذا كنتُ وأنا أسمع قد عَيِيتُ ممّا لا كُلْفَة عليَ فيه ، فكيف أراك وأنْتَ المتكلم ؟ فقال : إنَّ الكلام يحلَلُ الفضولَ اللَزجة