وكان قلم بن المقفع يَقفُ كثيراً ، فقيل له في ذلك ، فقال : إن الكلام يَزْدَحِمُ في صدري ، فيقف قلمي ليتخير .
وقالوا : الكِتابُ يُتصفح أكثر ممّا يتصفح الخطاب ؛ لأنَ الكاتب متخير ، والمخاطِبَ مضطرّ ، ومن يَرِدُ عليه كتابك فليس يعلم أأَسْرعْتً فيه أم أبطأت ؛ وإنما ينظر أأخطأتَ أم أَصبتَ ؛ فإبطاؤك غيرُ قادح في إصابتك ، كما إن إسراعك غير مُغَط على غَلَطِك .
ووصف بعضُ الكتّاب النسخ فقال : ينبغي أن يصحَبها الفكر إلى استقرارها ، ثم تُستبرأ بإعادة النظر فيها بعد اختيارها ، ويوسَّع بين سُطُورِها ، ثم تحرر على ثقةٍ بصحتها ، وتُتأمل بعد التحرير حَرْفاً حرفاً إلى آخرها .
فقد كتب المأمون مُصْحفاً اجتمع عليه ؛ فكان أوله : بسم الله الرحيم ، فأغفلوا الرحمن ؛ لأن العينَ لا تَعتبرُ ذلك ؛ ثقة أنه لا يُغْلَط فيه ، حتى فَطِنَ المأمون له .
وقال محمد بن عبد الملك الزيات للحسن بن وهب : حرر هذه النسخة وبكَر بها ، فتصبح الحسن فقال له : لم تصبحت ؟ قال : حتى تصفحت وقال أحمد بن إسماعيل بَطاحَة : كان بعض العلماء الأغبياء ينظر في نسخهِ بعد نفوذ كُتُبه ، فقال بعض الكتاب : السريع :
مُستَلَبُ اللُب غَوِيُ الشباب عذَّبه الهَجْر أشدَ العذابْ
يؤمل الصبر وأنى لَهُ . . . به وقد مُكّن منه التَّصَابْ
كناظرٍ في نسخهٍ يبتغي . . . إصلاحَها بعد نفوذِ الكتابْ
أوصاف بليغة في البلاغات على ألسنة أقوام من أهل الصناعات
قال بعضُ من ولَد عقائل هذا المنثور ، وألَف فواصل هذه الشذور : تجمَع قوم من أهل الصناعات ، فوصفوا بلاغاتِهم ، من طريق صناعاتهم : فقال الجوهري : أحسنُ الكلام نِظاماً ما ثقبته يَد الفكرة ، ونظمته الفِطْنة ، ووُصِل جَوْهَرُ معانيه في سُموط ألفاظه ، فاحتملته نحورُ الرواة .