وقال جالينوس في كتابه في اليموس الجيد والرديء أن أباه مات ولجالينوس من العمر عشرون سنة، وهذا ما ذكره في ذلك الموضع من حاله قال إنك إن أردت تصديقي أيها الحبيب فصدقني، فإنه ليس لي علة ولا واحدة تضطرني إلى الكذب، فإني ربما غضبت إذا رأيت ناساً كثيرين من أهل الأئمة في الحكمة وفي الكرامة قد كذبوا كثيراً في كتبهم التي وصفوا بها علم الأشياء، فأما أنا فإني أقول ولا أكذب إلا ما قد عاينت بنفسي، وجربت وحدي في طول الزمان، واللّه يشهد لي أني لست أكذب فيما أقص عليكم أنه قد كان لي أب حكيم فاضل، قد بلغ من علم الأمور بلوغاً ليست من ورائه غاية، أقول من علم المساحة والهندسة والمنطق والحساب والنجوم الذي يسمى أسطرونميا وكان أهل زمانه يعرفونه بالصدق والوفاء والصلاح والعفاف، وبلغ من هذه الفضائل التي ذكرت ما لم يبلغها أحد من حكماء أهل زمانه وعلمائهم، وكان القيم علي وعلى سياستي وأنا حدث صغير، فحفظني اللّه على يديه بغير وجع ولا سقم وإني لما راهقت أو زدت توجه أبي إلى ضيعة له وخلفني، وكان محباً لعلم الأكرة فكنت في تعليمي وأدبي أفوق أصحابي المتعلمين عامة، وأتقدّمهم في العلم وأتركهم خلفي، وأجتهد ليلاً ونهاراً على التعليم، فتناولت يوماً مع أصحابي فاكهة وتاملأت بها، فلما كان أول دخول فصل الخريف مرضت مرضاً حاداً فاحتجت إلى فصد العرق، وقدم والدي علي في تلك الأيام، ودخل المدينة، وجاء إلي فانتهرني وذكرني بالتذكير والسياسة والغذاء الذي كان يغذوني به وأنا صبي، ثم أمرني وتقدم إلي فقال إتق من الآن وتحفظ وتباعد من شهوات أصحابك الشباب وكثرتها وإلحاحهم واقتحامهم، فلما كان الحول المقبل حرص أبي بحفظ غذائي والزمنيه، ودبرني أيضاً وساسني سياسة موافقة، فلم أتناول من الفاكهة إلا اليسير منها وأنا يومئذ ابن تسع عشرة سنة، فخرجت سنتي تلك بلا مرض ولا أذى، ثم أنه نزل بأبي بعد تلك السنة الموت، فجلست أيضاً مع أصحابي وإخواني من أولئك الشباب فأكلت الفاكهة وأكثرت، وتملأت أيضاً فمرضت مرضاً شبيهاً بمرضي الأول فاحتجت أيضاً إلى فصد العرق، ثم لزمتني الأمراض بعد تلك السنة سنيناً متتابعة، وربما كان ذلك غُباً سنة بعد سنة، إلى أن بلغت ثمانياً وعشرين سنة، ثم أني اشتكيت شكاية شديدة، ظهرت بي دبيلة في الموضع الذي يجتمع فيه الكبد مع ذيافرغما - وهو الحجاب الحاجز ما بين الأعضاء المتنفسة والأعضاء الفعالة للغذاء - 0 فعزمت حينئذ على نفسي أن لا أقرب بعد ذلك شيئاً من الفاكهة الرطبة، إلا ما كان من التين والعنب، وهذان إذا كانا نضيجين، وتركت الإكثار منهما أيضاً فوق القدر والطاقة، وكنت أتناول منهما قدراً ولا أجاوزه، وقد كان لي أيضاً صاحب أمَسَّ مني فوافقني وواساني في العزم الذي عزمت عليه من ترك الفاكهة والتباعد، فألزمنا أنفسنا الضمور وتوقي التخم والشبع من الأغذية، فبقينا جميعاً معاً بغير وجع ولا سقم إلى يومنا هذا سنينا كثيرة، ثم لما رأيت ذلك عمدت إلى أخلائي وأخذاني ومحبي من إخواني فألزمتهم الضمور والغذاء بقدر واعتدال فصحوا ولم يعرض لهم شيء مما أكره إلى يومي هذا فمنهم من لزمته الصحة إلى يومنا هذا خمساً وعشرين سنة، ومنهم من لزمته الصحة خمس عشر ومنهم من لزمته السلامة أقل من ذلك وأكثر، من أطاعني ولزم الغذاء على قدر ما قدّرت له من ذلك وتباعد من الفاكهة الرطبه وغيرها من الأغذية الرديئة الكيموسات.
Lives of the Physicians
صفة تجميد الماءOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.