وقال المسعودي في كتاب المسالك والممالك أن الفرما على شط بحيرة تنيس، وهي مدينة حصينة وبها قبر جالينوس اليوناني، وقال غيره أنه لما كانت ديانة النصرانية قد ظهرت في أيام جالينوس قيل له أن رجلاً ظهر في آخر دولة قيصر اكتفيان ببيت المقدس يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فقال يوشك أن تكون عنده قوة إلهية يفعل بها ذلك، فسأل إن كان هناك بقية ممن صحبه فقيل له نعم فخرج من رومية يريد بيت المقدس؛ فجاز إلى صقلية وهي يومئذ تسمى سلطانية، فمات هنالك وقبره بصقلية، ويقال أن العلة التي مات بها الذرب.
وحكي عنه أنه لما طالت به العلة عالجها بكل شيء فلم ينجح، فقالت تلاميذه أن الحكيم ليس يعرف علاج علته، وقصروا في خدمته، فأحس بذلك منهم وكان زماناً صائفاً، فأحضر جرة فيها ماء وأخرج شيئاً فطرحه فيها وتركها ساعة وكسرها، وإذا بها قد جمدت، فأخذ من ذلك الدواء فشربه واحتقن به فلم ينفع، فقال لتلاميذه هل تعلمون لم فعلت هذا؟ قالوا لا قال لئلا تظنوا أني قد عجزت عن علاج نفسي فهذه علة تسمى داء مدد يعني الداء الذي لا دواء له وهو الموت، وهذه الحكاية أحسبها مفتعلة عن جالينوس.
صفة تجميد الماء
وذكر ابن بختويه في كتاب المقدمات صفة لتجميد الماء في غير وقته، زعم أنه إذا أخذ من الشب اليماني الجيد رطل، ويسحق جيداً ويجعل في قدر فخار جديدة؛ ويلقي عليه ستة أرطال ماء صاف، ويجعل في تنور ويطين عليه حتى يذهب منه الثلثان ويبقى الثلث لا يزيد ولا ينقص، فإنه يشتد، ثم يرفع في قنينة ويسد رأسها جيداً، فإذا أردت العمل به أخذت ثلجية جديدة وفيها ماء صاف، واجعل في الماء عشرة مثاقيل من الماء المعمول بالشب، ويترك ساعة واحدة فإنه يصير ثلجاً، وكذلك أيضاً زعم بعض المغاربة في صفة تجميد الماء في الصيف قال أعمد إلى بزر الكتان فأنقعه في خل خمر جيد ثقيف، فإذا جمد فيه فألقه في جرة أو حب مليء ماء، قال فإنه يجمد ما كان فيه من الماء ولو أنه في حزيران أو تموز.
قال أبو الوفاء المبشر بن فاتك وكان جالينوس يعتني به أبوه العناية البالغة، وينفق عليه النفقة الواسعة، ويجري على المعلمين الجراية الكثيرة ويحملهم إليه من المدن البعيدة، وكان جالينوس من صغره مشتهياً للعلم البرهاني، طالباً له، شديد الحرص والاجتهاد والقبول للعلم، وكان لحرصه على العلم يدرس ما علّمه المعلم في طريقه إذا انصرف من عنده حتى يبلغ إلى منزله، وكان الفتيان الذين كانوا معه في موضع التعليم يلومونه ويقولون له يا هذا، ينبغي أن تجعل لنفسك وقتاً من الزمان تضحك معنا فيه وتلعب فربما لم يجبهم لشغله بما يتعلمه، وربما قال لهم ما الداعي لكم إلى الضحك واللعب فيقولون شهوتنا إلى ذلك فيقول والسبب الداعي لي إلى ترك ذلك وإيثاري العلم بغضي لما أنتم عليه، ومحبتي لما أنا فيه فكان الناس يتعجبون منه ويقولون لقد رزق أبوك مع كثرة ماله وسعة جاهه ابناً حريصاً على العلم، وكان أبوه من أهل الهندسة، وكان مع ذلك يعاني صناعة الفلاحة، وكان جده رئيس النجارين، وكان جد أبيه ماسحاً.