أدام اللّه أيام المجلس السامي، الأجلي المولوي، الحكيمي العالمي، الفاضلي الصدري، الكبيري المخدومي، علامة عصره، وفريد دهره، بدر الدنيا والدين، عمدة الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين، حرس اللّه معاليه، وبلغه في الدارين نهاية أمانيه، وكبت حسدته وأعاديه، ولا زالت السعادة مخيمة بفنائه، والألسن مجتمعة على شكره وثنائه، المملوك ينهي أن عنده من تزايد الأشواق إلى الخدمة ما لو أن له فصاحة الشيخ الرئيس مع طول عبارة الفاضل جالينوس، لقصر عن ذكر بعض ما يجده من برح لأشواق، ومكابدة ما يشكوه من ألم الفراق، وهو يبتهل إلى اللّه تعالى في تسهيل الاجتماع السار، وتيسير اللقاء على الاختيار والإيثار، ولما اتصل بالملوك ما صار إلى المولى من رياسته على سائر الأطباء، وما خصهم اللّه تعالى بذلك من النعمة، وأسبغ عليهم من زيل الآلاء، وجد نهاية الفرح والسرور، وغاية ما يتوخاه من الحبور، وتحقق أن اللَّه تعالى قد نظر إلى الجماعة بعين رعايته، وشملهم بحسن عنايته؛ وأن هذه الصناعة قد علا مقدارها، وارتفع منارها، وصار لها الفخر الأكبر والفضل الأكثر، والسعد الأسمى، والمجد الأسنى؛ وقد شرف وقتها به على سائر الأوقات، وصارت حال العلم حينئذ على خلاف ما ذكره ابن الخطيب في الكليات، فلله الحمد على ما أولى من نعمه الشاملة، ومننه الكاملة، والمولى هو من جعلت أمور هذه الصناعة لديه، وفوضت رياسة أهلها وأربابها إليه.
ولم تك تصلح إلاَّ له ... ولم يك يصلح إلا لها
فإن شواهد المجد لم تزل توجد من شمائله، وأعلام السؤدد تدل على فضائله وفواضله، فاللّه تعالى يؤيده فيما أولاه، ويسعده في آخرته وأولاه، إن شاء اللّه تعالى، ومما قلته أيضاً، وكتبت به إليه في سنة خمس وأربعين وستمائة.
لمملوك يقبل اليد المولوية الحكيمية، الأجلية العالمية، والفاضلية الرئيسية، الصدرية الأوحدية البدرية، أدام اللَّه لها التأييد والنعماء، وضاعف من منائحها على أوليائها الآلاء، وكَبَت بدوام سعودها الحسدة والأعداء، ولا زالت في نعم متوالية، وعوارف دائمة وغير زائلة، ما تتابعت الأيام في السنين، وتلازمت حركة القلب والشرايين، ويواظب لمولانا بحسن الدعاء الذي ما زال عرف أنفاسه متضوعاً، والثناء الذي ما انفك أصله الثابت متفرعاً متنوعاً، ويواصل بالمحامد التي ما برح نشرها في مجالس المجد والشكر نافحاً متأرجحاً، والمدائح التي ما فتئ وجه محاسنها أبداً متبرجاً متبلجاً، وينهي ما عنده من كثرة الأشواق والأتواق التي تستوعبها العبارة ولا تسعها الأوراق، غير أنه يعول على إحاطة علم مولانا بصدق محبته وولائه، واعتداده بجزيل أياديه وآلائه، وإن كتاب والد المملوك ورد إليه ببشارة ملأت قلبه سروراً، ونفسه حبوراً بنظر مولانا في سائر الأطباء ورياسته، واشتماله عليهم بحسن رعايته وعنايته، ووصف من إنعام مولانا عليه وإحسانه إليه، ما المعهود من إحسانه، والمشهور من تفضله وامتنانه، ومولانا فهو أعلم بطرق الكرم، وأدرى بأن المعارف في أهل النهي ذمم، فاللَّه يجعل مولانا أبداً فاعلاً للخيرات، بالغاً في المعالي أرفع الدرجات، دائم السعادة موقى من الآفات
وهذا دعاء لو سكت كفيته ... لأني سألت اللّه فيك وقد فعل
ومولانا فتتجمل به المناصب العالية، وتتشرف بحسن نظره المراتب السامية، فإنه قد سما بفضله وأفضاله، على كل من عرف الفضل واشتهر، وتميز على أبناء زمانه بمحاسن الآداب وميامن الأثر، وهذا هنا عام لسائر الأطباء، وجملة الأولياء والأحباء،
وتقاسم الناس المسرة بينهم ... قسماً فكان أجلهم حظاً أنا
المملوك يجدد تقبيل اليد المولوية للنعم، ويستعرض الحوائج والخدم،ولبدر الدين ابن قاضي بعلبك من الكتب مقالة في مزاج الرقة، وهي بليغة في المعنى الذي صنفت فيه، كتاب مفرج النفس استقصى فيه ذكر الأدوية والأشياء القلبية على اختلافها وتنوعها، وهو مفيد جداً في فنه، وصنفه للأمير سيف الدين المشد أبي الحسن علي بن عمر بن قزل رحمه اللَّه، كتاب الملح في الطب، ذكر فيه أشياء حسنة، فوائد كثيرة من كتب جالينوس وغيرها.
شمس الدين محمد الكلي