FluentPlex

Lives of the Physicians

موفق الدين عبد اللطيف البغدادي

Original text Public domain

Read with the dictionary

فلما دخلت القاهرة جاءني وكيله وهو ابن سناء الملك، وكان شيخاً جليل القدر، نافذ الأمر، فأنزلني داراً قد أزيحت عللها، وجاءني بدنانير وغلة، ثم مضى إلى أرباب الدولة وقال هذا ضيف القاضي الفاضل فدررت الهدايا والصلات من كل جانب، وكان كل عشرة أيام أو نحوها تصل تذكرة القاضي الفاضل إلى ديوان مصر بمهمات الدولة وفيها فصل يؤكد الوصية في حقي، وأقمت بمسجد الحاجب لؤلؤ رحمه اللَّه إقرئ، وكان قصدي في مصر ثلاثة أنفس ياسين السيميائي والرئيس موسى بن ميمون اليهودي وأبو القاسم الشارعي، وكلهم جاؤوني، أما ياسين فوجدته محالياً كذاباً، مشعبذاً، يشهد للشاقاني بالكيمياء، ويشهد له الشاقاني بالكيمياء، ويقول عنه أنه يعمل أعمالاً يعجز موسى بن عمران عنها، وأنه يحضر الذهب المضروب متى شاء، وبأي مقدار شاء، وبأي سكة شاء، وأنه في الغاية قد غلب عليه عحب الرياسة، وخدمة أرباب الدنيا، وعمل كتاباً في الطب جمعه من الستة عشر لجالينوس، ومن خمسة كتب أخرى، وشرط أن لا يغير فيه حرفاً إلا أن يكون واو عطف أو فاء وصل، وإنما ينقل فصولاً لا يختارها، وعمل كتاباً لليهود سماه كتاب الدلالة، ولعن من يكتبه بغير القلم العبراني، ووقفت عليه فوجدته كتاب سوء يفسد أصول الشرائع والعقائد بما يظن أنه يصلحها وكنت ذات يوم بالمسجد وعندي جمع كثير فدخل شيخ رث الثياب، نير الطعلة مقبول الصورة فهابه الجمع ورفعوه فوقهم، وأخذت في إتمام كلامي، فلما تصرم المجلس جاءني إمام المسجد وقال أتعرف هذا الشيخ؟ هذا أبو القاسم الشارعي فاعتنقته وقلت إياك أطلب، فأخذته إلى منزلي وأكلنا الطعام وتفاوضنا الحديث، فوجدته كما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، سيرته سيرة الحكماء العقلاء وكذا صورته، وقد رضي من الدنيا ببرض، لا يتعلق منها بشيء يشغله عن طلب الفضيلة، ثم لازمني فوجدته قيماً بكتب القدماء وكتب أبي نصر الفارابي ولم يكن لي اعتقاد في أحد من هؤلاء لأني كنت أظن أن الحكمة كلها حازها ابن سينا وحشاها كتبه، وإذا تفاوضنا الحديث أغلبه بقوة الجدل وفضل اللسن، ويغلبني بقوة الحجة وظهور المحجة، وأنا لا تلين قناتي لغمزه، ولا أحيد عن جادة الهوى والتعصب برمزه، فصار يحضرني شيئاً بعد شيء من كتب أبي نصر والإسكندر ثامسطيوس يؤنس نفاري، ويلين عريكة شماسي حتى عطفت عليه أقدِّم رجلاً وأؤخر أخرى.

وشاع أن صلاح الدين هادن الفرنج وعاد إلى القدس فقادتني الضرورة إلى التوجه إليه، فأخذت من كتب القدماء ما أمكنني توجهت إلى القدس فرأيت ملكاً عظيماً يملأ العين روعة، والقلوب محبة، قريباً بعيداً، سهلاً محبباً، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف كما قال تعالى " ونزعنا ما في صدورهم من غل " ، وأول ليل حضرته وجدت مجلساً حفلاً بأهل العلم يتذاكرون في أصناف العلوم وهو يحسن الاستماع والمشاركة ويأخذ في كيفية بناء الأسوار وحفر الخنادق ويتفقه في ذلك الحجارة على عاتقه، ويتأسى به جميع الناس الفقراء والأغنياء، والأقوياء والضعفاء، حتى العماد الكاتب والقاضي الفاضل؛ ويركب لذلك قبل طلوع الشمس إلى وقت الظهر، ويأتي داره، ويمد الطعام، ثم يستريح، ويركب العصر ويرجع في المساء، ويصرف أكثر الليل في تدبير ما يعمل نهاراً، فكتب لي صلاح الدين بثلاثين ديناراً في كل شهر على ديوان الجامع وأطلق أولاده رواتب حتى تقرر لي في كل شهر مائة دينار.

ورجعت إلى دمشق وأكببت على الاشتغال وإقراء الناس بالجامع، وكلما أمعنت في كتب القدماء ازددت فهيا رغبة، وفي كتب ابن سنا زهادة وأطلعت على بطلان الكيمياء، وعرفت حقيقة الحال في وضعها، ومَن وضعها وتكذّب بها، وما كان قصده في ذلك، وخلصت من ضلالين عظيمين موبقين، وتضاعف شكري للَّه سبحانه على ذلك، فإن أكثر الناس إنما هلكوا بكتب ابن سينا وبالكيمياء

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account