FluentPlex

Lives of the Physicians

موفق الدين بن المطران

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

أقول وكانت لموفق الدين بن المطران همة عالية في تحصيل الكتب، حتى أنه مات وفي خزانته من الكتب الطبية وغيرها ما يناهز عشرة آلاف مجلد خارجاً عما استنسخه، وكانت له عناية بالغة في استنساخ الكتب وتحريرها، وكان في خدمته ثلاثة نساخ يكتبون له أبداً ولهم منه الجامكية والجراية، وكان من جملتهم جمال الدين المعروف بابن الجمالة، وكان خطه منسوباً، وكتب ابن المطران أيضاً بخطه كتباً كثيرة، وقد رأيت عدة منها، وهي في نهاية حسن الخط والصحة والإعراب، وكان كثير المطالعة للكتب لا يفتر من ذلك في أكثر أوقاته، وأكثر الكتب التي كانت عنده توجد، وقد صححها وأتقن تحريرها، وعليها خطه بذلك، وبلغ من كثرة اعتنائه بالكتب وغوايته فيها أنه جامع لكثير من الكتب الصغار والمقالات المتفرقة في الطب، وهي في الأكثر يوجد جماعة منها في مجلد واحد استنسخ كلام منها بذاته في جزء صغير قطع نصف ثمن البغدادي بمسطرة واضحة، وكتب بخطه أيضاً عدة منها واجتمع عنده من تلك الأجزاء الصغار مجلدات كثيرة جداً فكان أبداً لا يفارق في كمه مجلداً يطالعه على باب دار السلطان أو أين توجه، وبعد وفاته بيعت جميع كتبه، وذلك أنه ما خلف ولداً.

وحدثني الحكيم عمران الإسرائيلي أنه لما حضر بيع كتب ابن المطران وجدهم وقد أخرجوا من هذه الأجزاء الصغار ألوفاً كثيرة أكثرها بخط ابن الجمالة، وأن القاضي الفاضل بعث يستعرضها فبعثوا إليه بملء خزانة صغيرة منها وجدت كذلك فنظر فيها، ثم ردها فبلغت في المناداة ثلاث آلاف درهم واشترى الحكيم عمران أكثرها وقال لي أنه حصل الاتفاق مع الورثة في بيعها أنهم أطلقوا مع كل جزء منها بدرهم فاشترى الأطباء منهم هذه الأجزاء الصغار على الثمن بالعدد.

أقول وكان ابن المطران كثير المروءة كريم النفس، ويهب لتلامذته الكتب ويحسن إليهم وإذا جلس أحد منهم لمعالجة المرضى يخلع عليه، ولم يزل معتنياً بأمره، وكان أجل تلامذته شيخنا مهذب الدين بن عبد الرحيم بن علي رحمه اللَّه، وكان كثيراً لملازمة له والاشتغال عليه وسافر معه مرات في غزوات صلاح الدين لما فتح الساحل.

ومما حدثني شيخنا مهذب الدين عنه فيما يتعلق بمعالجاته قال كان أسد الدين شيركوه صاحب حمص قد طلب ابن المطران فتوجه إليه وكنت معه، فبينما نحن في بعض الطريق، وإذا رجل مجذوم استقبله، وقد قوي به المرض حتى تغيرت خلقته، وتشوهت صورته، فاستوصف منه ما يتناوله وما يتداوى به، فبقي كالمتبرم من رؤيته، وقال له كل لحوم الأفاعي، فعاوده في المسألة فقال كل لحوم الأفاعي فإنك تبرأ، قال ومضينا إلى حمص وعالج المريض الذي راح بسببه إلى أن تماثل وصلح، لحوم الأفاعي فإنك تبرأ، ورجعنا فلما كنا في الطريق، وإذا بشاب حسن الصورة، كال الصحة قد سلم علينا وقبل يده فلم نعرفه، وقال له من أنت؟ فعرفه بنفسه وأنه صاحب المرض الذي كان قد شكاه إليه، وأنه لما استعمل ما وصفه له صلح به من غير أن يحتاج معه لى دواء آخر، فتعجبنا من ذلك في كمال برئه وودعنا وانصرف، وحدثني أيضاً عنه أنه كان معه في البيمارستان الكبير الذي أنشأه نور الدين بن زنكي وهو يعالج المرضى المقيمين به فكان من جملته رجل به استسقاء زقي استحكم به فقصد إلى بزله، وكان في ذلك الوقت في البيمارستان ابن حمدان الجرائحي، وله يد طولى في العلاج فجزموا على بزل المستسقي قال فحضرنا وبزل الموضع على ما يجب، فجرت مائية صفراء وابن المطران يتفقد نبض المريض، فلما رأى أن قوته لا تفي بإخراج أكثر من ذلك، أمر بشد الموضع، وأن يستلقي المريض ولا يغير الرباط أصلاً، ووجد المريض خفة وراحة كبيرة، وكانت عنده زوجته فأوصاها ابن المطران أنها لا تمكنه من حل الرباط، ولا تغيره بوجه من الوجوه إلى أن يبصره في ثاني يوم، فلما انصرفنا وجاء الليل قال زوجها إنني قد وجدت العافية وما بقي بي شيء، وإنما الأطباء قصدهم أن يطولوا بي فحلي الرباط حتى يخرج هذا الماء الذي قد بقي، وأقوم في شغلي فأنكرت عليه قوله، ولم تقبل منه، فعاودها بالقول وكرر ذلك عليها مرات، ولم يعلم أن بقية المائية إنما جعلوا إخراجها في وقت آخر مراعاة لحفظ قوته وشفقة عليه، فلما حلت الرباط وجرت المائية بأسرها خارت قوته وهلك.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا