FluentPlex

Lives of the Physicians

ابن الصلاح

Original text Public domain

Read with the dictionary

وحدثني صفي الدين خليل بن أبي الفضل الكاتب قال حدثنا الشيخ ضياء الدين ابن صقر رحمه اللّه أن في سنة خمسمائة وتسعة وسبعين قدم إلى حلب الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي، ونزل في مدرسة الجلاوية، وكان مدرسها يومئذ الشريف رئيس الحنفية افتخار الدين رحمه اللّه، فلما حضر شهاب الدين الدرس، وبحث مع الفقهاء، وكان لابس دلق، وهو مجرد بإبريق وعكاز وما كان أحد يعرفه، فلما بحث وتميز بين الفقهاء، وعلم افتخار الدين أنه فاضل أخرج له ثوباً عتابياً وغلالة ولباساً وبقياراً، وقال لولده تروح إلى هذا الفقير وتقول له والدي يسلم عليك ويقول لك أنت رجل فقيه، وتحضر الدرس بين الفقهاء، وقد سير لك شيئاً تكون تلبسه إذا حضرت، فلما وصل ولده إلى الشيخ شهاب الدين وقال له ما أوصاه سكت ساعة وقال يا ولدي حط هذا القماش، وتفضل اقض لي حاجة، وأخرج له فص بلخش في قدر بيضة الدجاجة رماني، ما ملك أحدمثله في قده ولونه، وقال تروح إلى السوق تنادي على هذا الفص ومهما جاب لا تطلق بيعه حتى تعرفني، فلما وصل به إلى السوق عند العريف، ونادى على الفص فانتهى ثمنه إلى مبلغ خمسة وعشرين ألف درهم، فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وهو يومئذ صاحب حلب وقال هذا الفص قد جاب هذا الثمن، فأعجب الملك الظاهر قده ولونه وحسنه فبلغه إلى ثلاثين ألف درهم، فقال العريف حتى أنزل إلى ابن افتخار الدين وأقول له، وأخذ الفص ونزل إلى السوق وأعطاه له، وقال له رح شاور والدك على هذا الثمن، واعتقد العريف أن الفص لافتخار الدين، فلما جاء إلى شهاب الدين السهروردي وعرفه بالذي جاب الفص صعب عليه، وأخذ الفص وجعله على حجر وضربه بحجر آخر حتى فتته وقال لولد افتخار الدين خذ يا ولدي هذه الثياب ورح إلى والدك قبل يده عني وقل له لو أردنا الملبوس ما غلبنا عنه، فراح إلى افتخار الدين، وعرفه صورة ما جرى فبقي حائراً في قضيته، وأما الملك الظاهر فإنه طلب العريف وقال، أريد الفص، فقال يا مولانا أخذه صاحبه ابن الشريف افتخار الدين مدرس الجلاوية، فركب السلطان ونزل إلى المدرسة وقعد في الإيوان، وطلب افتخار الدين إليه وقال أريد الفص، فعرفه أنه لشخص فقير نازل عنده، قال فأفكر السلطان ثم قال يا افتخار الدين إن صدق حدسي فهذا شهاب الدين السهروردي، ثم قام السلطان واجتمع بشهاب الدين وأخذه معه إلى القلعة وصار له شأن عظيم، وبحث مع الفقهاء في سائر المذاهب، وعجّزهم واستطال على أهل حلب وصار يكلمهم كلام من هو أعلى قدراً منهم، فتعصبوا عليه وأفتوا في دمه حتى قتل، وقيل إن الملك الظاهر سير إليه من خنقه، قال ثم إن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين أفتوا في دمه، وقبض عل جماعة منهم واعتقلهم، وأهانهم وأخذ منهم أموالاً عظيمة.

حدثني سديد الدين محمود بن عمر المعروف بابن رقيقة قال كان الشيخ شهاب الدين السهروردي رث البزة، لا يلتفت إلى ما يلبسه، ولا له احتفال بأمور الدنيا، قال وكنت أنا وإياه نتمشى في جامع ميافارقين وهو لابس جبة قصيرة مضربة زرقاء، وعلى رأسه فوطة مفتولة، وفي رجليه زربول، ورآني صديق لي فأتى إلى جانبي وقال ما جئت تماشي إلا هذا الخربند؟ فقلت له اسكت هذا سيد الوقت، شهاب الدين السهروردي، فتعاظم قولي وتعجب ومضى.

وحدثني بعض أهل حلب قال لما توفي شهاب الدين رحمه اللّه، ودفن بظاهر مدينة حلب، وجد مكتوباً على قبره، والشعر قديم

قد كان صاحب هذا القبر جوهرة ... مكنونة قد براها اللّه من شرف

فلم تكن تعرف الأيام قيمته ... فردها غيرة منه إلى الصدف

ومن كلامه قال في دعاء اللهم يا قيام الوجود، وفائض الجود، ومنزل البركات، ومنتهى الرغبات، منور النور، ومدبر الأمور، وواهب حياة العالمين، أمددنا بنورك، ووفقنا لمرضاتك، وألهمنا رشدك، وطهرنا من رجس الظلمات، وخلصنا من غسق الطبيعة إلى مشاهدة أنوارك، ومعاينة أضوائك، ومجاورة مقربيك، وموافقة سكان ملكوتك، واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من الملائكة والصديقين والأنبياء والمرسلين.

ومن شعر شهاب الدين السهروردي

أبداً تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح

وقلوب أهل ودادكم تشتاقك ... وإلى لذيذ وصالكم ترتاح

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account