وقال لما أدركته الوفاة في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وخمسمائة
يا لهف نفسي إذا أدرجت في الكفن ... وغيبوني عن الأهلين والوطن
وقيل لا يبعدن من كان ينشدنا ... أنا الذي نظر الأعمى فلم يرني
ثم أنشد يوم الثلاثاء قبل وفاته وأمر ولده أبا المجد أن يرويها بعد موته عنه
ندمت على موتي وما كان من أمري ... فيما ليت شعري من يرثيكم بعدي
وإني لأختار الرجوع لو أنني ... أرد ولكن لا سبيل إلى الرد
ولو كنت أدري أنني غير راجع ... لما كنت قد أسرعت سيراً إلى اللحد
ألا هل من الموت المفرق من بد ... وهل لزمان قد تسلف من رد
مضى الأهل والأحباب عني وودعوا ... وغودرت في دهماء موحشة وحدي
لبعض على بعض لديكم مزية ... ولا يعرف المولى لدينا من العبد
لئن كنت قد أفرحتكم بمنيتي ... وسركم موتي وآنسكم فقدي
فدقيوس تلميذي عليكم خليفتي ... رضيت به في الهزل بعدي وفي الجد
فها أنا قد وليته الأمر فاعلموا ... وعما قليل سوف أسكنه عندي
ولا تقنطوا من رحمة اللَّه بعد ذا ... فليس لنا من رحمة اللّه من بد
وأبي الحكم من الكتب ديوان شعره، وسمي ديوانه هذا نهج الوضاعة.
أبو المجد بن أبي الحكم
هو أفضل الدولة أبو المجد محمد بن أبي الحكم، عبيد اللَّه بن المظفر بن عبد اللَّه الباهلي، ومن الحكماء المشهورين، والعلماء المذكورين، والأفاضل في الصناعة الطبية، والأماثل في علم الهندسة والنجوم، وكان يعرف الموسيقي، ويلعب بالعود، ويجيد الغناء والإيقاع والزمر وسائر الآلات، وعمل أرغناً وبالغ في إتقانه، وكان اشتغاله على والده وعلى غيره بصناعة الطب، وتميز في علمها وعملها، وصار من الأكابر من أهلها، وكان في دولة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه اللَّه، وكان يرى له ويحترمه، ويعرف مقدار علمه وفضله، ولما أنشأ الملك العادل نور الدين البيمارستان الكبير جعل أمر الطب إليه فيه، وأطلق له جامكية وجراية، وكان يتردد إليه ويعالج المرضى فيه، وحدثني شمس الدين أبو الفضل بن أبي الفرج الكحال المعروف بالمطواع، رحمه اللَّه، أنه شاهده في البيمارستان، وأن أبا المجد بن أبي الحكم كان يدور على المرضى به ويتفقد أحوالهم، ويعتبر أمورهم وبين يديه المشارفون والقوام لخدمة المرضى، فكان جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدبير لا يؤخر عنه ولا يتوانى في ذلك، قال وكان بعد فراغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة وافتقاده المرضى من أعيان الدولة يأتي ويجلس في الإيوان الكبير الذي للبيمارستان وجميعه مفروش، ويحضر الاشتغال، وكان نور الدين رحمه اللَّه قد وقف على هذا البيمارستان جملة كبيرة من الكتب الطبية، وكانت في الخرستانين اللذين في صدر الإىوان فكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه، ثم تجري مباحث طبية ويقرئ التلاميذ، ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة، نظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات، ثم يركب إلى داره، وتوفي أبو المجد بن أبي الحكم بدمشق في خمسمائة،
ابن البذوخ
هو أبو جعفر عمر بن علي بن البذوخ القلعي المغربي، كان فاضلاً خبيراً بمعرفة الأدوية المفردة والمركبة، وله حسن نظر في الاطلاع على الأمراض ومداواتها، وأقام بدمشق سنيناً كثيرة، وكانت له دكان عطر باللبادين يجلس فيها، ويعالج من يأتي إليه أو يستوصف منه، وكان يهيئ عنده أدوية كثيرة مركبة يصنعها من سائر المعاجين والأقراص والسفوفات وغير ذلك، يبيع منها وينتفع الناس بها، وكان معتنياً بالكتب الطبية والنظر فيها وتحقيق ما ذكره المتقدمون من صفة الأمراض ومداواتها، وله حواش على كتاب القانون لابن سينا، وإن له أيضاً اعتناء بعلم الحديث، ويشعر وله رجز كثير إلا أن أكثر شعره ضعيف منحل، وعمّر عمراً طويلاً، وضعف عن الحركة حتى إنه كان لم يأت إلى دكانه إلا محمولاً في محفة، وعمي في آخر عمره بماء نزل في عينه، لأنه كان كثيراً يغتذي باللبن ويقصد بذلك ترطيب بدنه، وتوفي بدمشق في سنة خمس أو ست وسبعين وخمسمائة