ولما تزايد ذلك عليه رغب إلى أهل أفسس وأقسم عليهم أن يحولوه عن مدينتهم، فأخرجوه إلى ماغانسيا، وعنى تلاميذه بخدمته حتى مات، فدفنوه وكتبوا قصته على قبره، ورجع فيثاغورس إلى مدينة ساموس ودرس بعده على أرمودامانيطس الحكيم البهي المتأله المكنى بقراوفوليو بمدينة ساموس، ولقي أيضاً بها أرمودامانيس الحكيم المكنى أفروقوليم فرابطه زماناً وكانت طرانة ساموس قد صارت لفولوقراطيس الأطرون، واشتاق فيثاغورس إلى الاجتماع بالكهنة الذين بمصر، فابتهل إلى فولوقراطيس أن يكون له على ذلك معيناً، فكتب له إلى أماسيس ملك مصر كتاباً يخبره بما تاق إلىه فيثاغورس ويعلمه أنه صديق لأصدقائه، ويسأله أن يجود عليه بالذي طلب وأن يتحنن عليه، فأحسن أماسيس قبوله، وكتب له إلى رؤساء الكهنة بما أراد، فورد على أهل مدينة الشمس وهي المعروفة بزماننا بعين شمس بكتب ملكهم، فقبلوه قبولاً كريهاً وأخذوا في امتحانه زماناً فلم يجدوا عليه نقصاً ولا تقصيراً،فوجهوا به إلى كهنة منف كي يبالغوا في امتحانه فقبلوه قبولاً على كراهية واستقصوا امتحانه فلم يجدوا عليه معيباً ولا أصابوا له عثرة، فبعثوا به إلى أهل دبوسبولس ليمتحنوه فلم يجدوا عليه طريقاً ولا إلى أدحاضه سبيلاً لعناية ملكهم به، فعرضوا عليه فرائض صعبة مخالفة لفرائض اليونانيين كيما يمتنع من قبولَها فيدحضوه ويحرموه طلبه، فقبل ذلك وقام به، فاشتد أعجابهم منه، وفشا بمصر ورعه حتى بلغ ذكره إلى أماسيس، فأعطاه سلطاناً على الضحايا للرب تعالى وعلى سائر قرابينهم، ولم يعط ذلك لغريب قط، ثم مضى فيثاغورس من مصر راجعاً إلى بلده، وبنى له بمدينة أيونية منزلاًَ للتعليم، فكان أهل ساموس يأتون إليه ويأخذون من حكمته، وأعدّ له خارجاً من تلك المدينة، انطروناً جعله مجمعاً خاصاً لحكمته، فكان يرابط فيه مع قليل من أصحابه أكثر أوقاته، ولما أتت عليه أربعون سنة وتمادت طرانة فولوقراطيس، وكان قد استخلفه عليهم حيناً طويلاً واستكفاه ففكر ورأى أنه لا يحسن بالمرء الحكيم المكث على لزوم الطرانة والسلطان، فرحل إلى إيطالية وسار منها إلى قروطونيا ودخلها، فرأى أهلها حسن منظره ومنطقه ونبله، وسعة علمه، وصحة سيرته، مع كثرة يساره وتكامله في جميع خصاله، واجتماع الفضائل كلها فيه، فانقاد له أهل قروطونيا انقياد الطاعة العلمية فألزمهم عصمة القدماء، وهدى نفوسهم، ووعظهم بالصالحات، وأمر الأراكنة أن يضعوا للأحداث كتب الآداب الحكمية وتعليمهم أياها، فكان الرجال والنساء يجتمعون إليه ليسمعوا مواعظة وينتفعوا بحكمته، فعظم مجده وكبر شأنه، وصير كثيراً من أهل تلك المدينة مهرة بالعلوم، وانتشر الخبر حتى أن عامة ملوك البربر وردوا عليه ليسمعوا حكمته ويستوعبوا من علمه، ثم إن فيثاغورس جال في مدن إيطاليا وسيقليا، وكان الجور والتمرد قد غلب عليهم فصاروا سمَّاعيه وصدِّيقيه من أهل طاورومانيون وغير ذلك، فاستأصل الفتنة منهم ومن نسلهم إلى أحقاب كثيرة، وكان منطقه طارداً لكل منكر، ولما سمع حكمته ومواعظه سماخس اطرون قانطوربيا خرج من ملكه وخلف أمواله بعضها لأخيه وبعضها لأهل مدينته، وذكر أن باندس الذي كان جنسه من فرمس وكان ملك فوثو وكان من ولد فيثاغورس، وكان لفيثاغورس، وهو باقروطونيا، بنت بتول كانت تعلم عذارى المدينة شرائع الدين وفرائضه وسنته من حلاله وحرامه، وكانت أيضاً زوجته تعلم سائر النساء، ولما توفي فيثاغورس عمد ديميطوديوس المؤمن إلى منزل الحكيم فجعله هيكلاً لأهل قروطونيا، وذكروا أن فيثاغورس كان على عهد كورس حدثاً وكان ملكه ثلاثين سنة.
Lives of the Physicians
قسم أبقراطOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.