FluentPlex

Lives of the Physicians

الشيخ الرئيس بن سينا

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فإذا صارت هذه الحال له ملكه، انطبع فيها نقش الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت، فألف الأنس الأعلى، وذاق اللذة القصوى، وأخذ عن نفسه من هو بها أولى، وفاضت عليه السكينة وحقت عليه الطمأنينة، وتطلع إلى العالم الأدنى اطلاع راحم لأهله، مستوهن لحيله، مستخف لثقله، مستحسن به لعقله، مستضل لطرقه؛ وتذكر نفسه وهي بها لهجة، وببهجتها بهجه، فتعجب منها ومنهم تعجبه منه، وقد ودعها وكان معها كأنه ليس معها، وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة، وأمثل السكنات الصيام، وانفع البر الصدقة، وأزكى السر الاحتمال، وأبطل السهي المراءاة، ولن تخلص النفس عن الدرن ما التفتت إلى ما قيل وقال، ومناقشة وجدال، وانفعلت بحال من الأحوال، وخير العمل ما صدر عن خالص نية؛ وخير النية ما ينفرج عن جناب علم؛ والحكمة أم الفضائل، ومعرفة اللّه أول الأوائل إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، ثم يقبل على هذه النفس المزينة بكمالها الذاتي فيحرسها عن التلطخ بما يشينها من الهيئات الانقيادية للنفوس الموادية التي إذا بقيت في النفوس المزينة كان حالها عند الانفصال كحالها عند الاتصال، إذ جوهرها غير مشاوب ولا مخالط، وإنما يدنسها هيئة الانقياد لتلك الصواحب؛ بل يفيدها هيئات الاستيلاء والسياسة والاستعلاء والرياسة، وكذلك يهجر الكذب قولاً وتخيلاً حتى تحدث للنفس هيئة صدوقة، فتصدق الأحلام والرؤيا، وأما اللذات فيستعملها على إصلاح الطبيعة وإبقاء الشخص أو النوع أو السياسة، أما المشروب فإنه يهجر شربه تلهياً بل تشفياً وتداوياً؛ ويعاشر كل فرقة بعادته ورسمه؛ ويسمح بالمقدور والتقدير من المال؛ ويركب لمساعدة الناس كثيراً مما هو خلاف طبعة، ثم لا يقصر في الأوضاع الشرعية، ويعظم السنن الإلهية، والمواظبة على التعبدات البدنية، ويكون دوام عمره إذا خلا وخلص من المعاشرين تطريه الزينة في النفس والفكرة في الملك الأول وملكه، وكيس النفس عن عيار الناس من حيث لا يقف عليه الناس عاهد اللّه أنه يسير بهذه السيرة، ويدين بهذه الديانة، واللّه ولي الذين آمنوا وهو حسبنا ونعم الوكيل.ومن شعر الشيخ الرئيس قال في النفس وهي من أجل قصائده وأشرفها

هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع

محجوبة عن كل مقلة عارف ... وهي التي سفرت ولم تتبرقع

وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهي ذات تفجع

أنفت وما أنست فلما واصلت ... ألفت مجاورة الخراب البلقع

وأظنها نسيت عهوداً بالحمى ... ومنازلاً بفراقها لم تقنع

حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... في ميم مركزها بذات الأجرع

علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ... بين المعالم والطلول الخضع

تبكي إذا ذكرت دياراً بالحمى ... بمدامع تهمي ولما تقطع

وتظل ساجعة على الدمن التي ... درست بتكرار الرياح الأربع

إذ عاقها الشرك الكثيف وصدها ... قفص عن الأوج الفسيح الأربع

حتى إذا قرب المسير إلى الحمى ... ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع

سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت ... ما ليس يدرك بالعيون الهجع

وغدت مفارقة لكل مخلف ... عنها حليف الترب غير مشيع

وبدت تغرد فوق ذروة شاهق ... سام إلى قعر الحضيض الأوضع

إن كان أرسلها الإله لحكمة ... طويت عن الفطن اللبيب الأروع

فهبوطها إن كان ضربة لازب ... لتكون سامعة بما لم تسمع

وتعود عالمة بكل خفية ... في العالمين فخرقها لم يرقع

وهي التي قطع الزمان طريقها ... حتى لقد غربت بغير المطلع

فكأنه برق تألق للحمى ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع

وقال في الشيب والحكمة والزهد

أما أصبحت عن ليل التصابي ... وقد أصبحت عن ليل الشباب

تنفس في عذارك صبح شيب ... وعسعس ليله فكم التصابي

شبابك كان شيطاناً مريداً ... فرجم من مشيبك بالشهاب

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا