وقد قال قائل هذا وغيره في مثل هذا مما يطول ذكره، مع قلة الفائدة فيه، وهذا أيضاً مع أن أكثرهم إذا دهمهم الأمر في مرض صعب فإليّ يصير، حتى يتحقق معرفته مني، ويأخذ عني له صفة دوائه وتدبيره، ويتبين الصلاح فيما أُمر به أن يعمل لا مرة ولا مراراً، وهذا الذي يجيئني ويقتدي برأيي هو أشد الناس علي غيظاَ، وأكثرهم لي ثلباً، وليس أزيدهم على أن أحكم رب الكل بيني وبينهم، وإنما سكوتي عنهم لأنهم ليس هم واحداً ولا اثنين ولا ثلاثة، بل هم ستة وخمسون رجلاً جملتهم من أهل المذهب، محتاجون إلي وأنا غير محتاج إليهم، وأيضاً فإن إثرتهم مع كثرتهم قوية بخدمة الخلفاء وهم أصحاب المملكة وأنا فأضعف عنهم من وجهين أحدهما وحدتي، والثانية إن الذين يعنون بي من الناس محتاجون إلى الأصل الذي يعنى بأعدائي الذي هو أمير المؤمنين، ومع هذا كله لا أشكو إلى أحد ما أنا عليه وإن كان عظيماً، بل أبوح بشكرهم في المحافل وعند الرؤساء، فإن قيل لي إنهم يثلبونك وينتقصون بك في مجالسهم، أدفع ذلك وأرى أني غير مصدق شيء مما يقال لي، بل أقول إنا نحن شيء واحد تجمعنا الديانة والبلدة والصناعة، فما أصدق أن مثلهم يذكر أحداً من الناس فضلاًعني بسوء، فإذا سمعوا عني مثل هذا القول قالوا قد جزع وأعطى من نفسه الصمة، وكلما ثلبوني زدت في الشكر لهم، وأنا الآن ذاكر ها هنا آخر الآبار التي حفروها لي، سوى ما كان لي معهم قديماً خاصة مع بني موسى والجالينوسيين والبقراطيين في أمر البهت الأول، وهذه قصة المحنة الأخيرة القريبة، وهي أن بختيشوع بن جبرائيل المتطبب عمل على حيلة تمت له علي، وأمكنته مني إرادته في، وذلك أنه استعمل قونة، عليها صورة السيدة مار مريم، وفي حجرها سيدنا المسيح والملائكة قد احتاطوا بهما وعملها في غاية ما يكون من الحسن وصحة الصورة بعد أن غرم عليها من المال شيئاً كثيراً، ثم حملها إلى أمير المؤمنين المتوكل، وكان هو المستقبل لها من يد الخادم الحامل لها، وهو الذي وضعها بين يدي المتوكل، فاستحسنها المتوكل جداً، وجعل بختيشوع يقبلها بين يديه مراراً كثيرة، فقال له المتوكل لم تقبلها؟ فقال له يا مولانا إذا لم أقبل صورة سيدة العالمين فمن أقبل؟ فقال له المتوكل وكل النصارى هكذا يفعلون؟ فقال نعم يا أمير المؤمنين، وأفضل مني، لأني أنا قصرت حيث أنا بين يديك، ومع تفضيلنا معشر النصارى، فإني أعرف رجلاً في خدمتك وإفضالك وأرزاقك جارية عليه من النصارى يتهاون بها ويبصق عليها، وهو زنديق ملحد، لا يقر بالوحدانية ولا يعرف آخرة يستتر بالنصرانية وهو معطل مكذب بالرسل، فقال له المتوكل من هذا الذي هذه صفته؟ فقال له حنين المترجم، فقال المتوكل أوجه أحضره، فإن كان الأمر على ما وصفت، نكلت به وخلدته المطبق، مع ما أتقدم به في أمره من التضييق عليه، وتجديد العذاب، فقال، أنا أحب أن يؤخر مولاي أمير المؤمنين إلى أن أخرج وأقيم ساعة، ثم تأمر بإحضاره، فقال إني أفعل ذلك، فخرج بختيشوع من الدار وجاءني، فقال يا أبا زيد، أعزك اللّه، ينبغي أن تعلم أنه قد أهدي إلى أمير المؤمنين قونة قد عظم عجبه بها، وأحسبها من صور الشام، وقد استحسنها جداً، وإن نحن تركناها عنده ومدحناها بين يديه تولع بنا بها في كل وقت، وقال هذا ربكم وأمه مصورين، وقد قال لي أمير المؤمنين انظر إلى هذه الصورة ما أحسنها، وايش تقول فيها؟ فقلت له صورة مثلها يكون في الحمامات، وفي البيع وفي المواضع المصورة، وهذا مما لا نبالي به ولا نلتفت إليه، فقال وليس هي عندك شيء؟ قلت لا قال فإن تكن صادقاً فابصق عليها، فبصقت، وخرجت من عنده وهو يضحك ويعطعط بي، وإنما فعلت ذلك ليرمي بها ولا يكثر الولع بنا بسببها، ويميزنا دائماً، ولا سيما إن حرد أحد من ذلك، فإن الولع يكون أزيد، والصواب إن دعا بك وسألك عن مثل ما سألني أن تفعل كما فعلت أنا، فإني قد عملت على لقاء سائر من يدخل إليه من أصحابنا، وأتقدم إليهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقبلت ما وصاني به، وجازت علي سخريته، وانصرف، فما كان إلا ساعة حتى جاءني رسول أمير المؤمنين فأخذني إليه، فلما دخلت عليه إذ القونة موضوعة بين يديه فقال لي يا حنين ترى ما أحسن هذه الصورة وأعجبها؟ فقلت واللّه إنه لكما ذكر أمير المؤمنين فقال فأيش تقول فيها؟ فقال أو ليس هي صورة ربكم وأمه؟ فقلت معاذ اللّه يا
Lives of the Physicians
حنين بن إسحاقTexte original Public domain
Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens
Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.