FluentPlex

Lives of the Physicians

حنين بن إسحاق

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ولما اتصل ذلك بي حمدت اللّه حمداً جديداً، وصبرت على ما قد دفعت إليه، فآلت القضية بي إلى أن بقيت بأسوأ ما يكون من الحال من الإضاقة والضر، محبوساً مضيقاً علي مدة من الزمان لا تصل يدي إلى شيء من ذهب ولا فضة ولا كتاب، وبالجملة ولا ورقة أنظر فيها، ثم إن اللّه عزّ وجلّ نظر إليّ بعين رحمته، فجدد لي نعمه وردني إلى ما كنت عارفاً به من فضله، وكان سبب رد نعمتي إلي بعض من كان قد التزم عداوتي واختص بها، ومن ها هنا صح ما قاله جالينوس إن الأخيار من الناس قد ينتفعون بأعدائهم الأشرار فلعمري لقد كان ذلك أفضل الأعداء، وأنا الآن مبتدئ بذكر ما جرى علي مما تقدم ذكره فأقول كيف لا أبغض ويكثر حاسدي، ويكثر ثلبي في مجالس ذوي المراتب؛ ويبذل في قتلي الأموال؛ ويعز من شتمني، ويهان من أكرمني؛ كل ذلك بغير جرم لي إلى واحد منهم ولا جناية، لكنهم لما رأوني فوقهم، وعالياً عليهم بالعلم والعمل، ونقلي إليهم العلوم الفاخرة من اللغات التي لا يحسنونها ولا يهتدون إليها ولا يعرفون شيئاً منها، في نهاية ما يكون من حسن العبارة والفصاحة، ولا نقص فيها ولا زلل، ولا ميل لأحد من الملل، ولا استغلاق ولا لحن، باعتبار أصحاب البلاغة من العرب الذين يقومون بمعرفة وجوه النحو والغريب، ولا يعثرون على سيئة ولا شكلة ولا معنى، لكن بأعذب ما يكون عن اللفظ، وأقربه إلى الفهم، يسمعه من ليس صناعته الطب، ولا يعرف شيئاً من طرقات الفلسفة، ولا من ينتحل ديانة النصرانية وكل الملل، فيستحسنه ويعرف قدره، حتى إنهم قد يغرمون علي ما كان من الذي أنقل الأموال الكثيرة إذا كانوا يفضلون هذ النقل على نقل كل من قبلي، وأيضاً فأقول ولا أخطئ أن سائر أهل الأدب، وإن اختلفت مللهم، محبون لي، مائلون إلي، مكرمون لي، يأخذون ما أفيدهم بشكر، ويجازوني بكل ما يصلون إليه من الجميل، فأما هؤلاء الأطباء النصارى الذين أكثرهم تعلموا بين يدي، نشأوا قدامي هم الذين يرومون سفك دمي على أنهم لا بد لهم مني، فمرة يقولون من هو حنين؟ إنما حنين ناقل لهذه الكتب ليأخذ على نقله الأجرة كما يأخذ الصناع الأجرة على صناعتهم، ولا فرق عندنا بينه وبينهم؛ لأن الفارس قد يعمل له الحداد بالسيف في المثل بدينار، ويأخذ هو من أجله في كل شهر مائة دينار، فهو خادم لأدائنا، وليس هو عامل بها، كما أن الحداد، وإن كان يحسن صنعة السيف،إلا أنه ليس يحسن يعمل به، فما للحداد وطلب الفروسية كذلك هذا الناقل، ماله والكلام في صناعة الطب ولم يحكم في عللها وأمراضها، وإنما قصده في ذلك التشبيه بنا ليقال حنين الطبيب، ولا يقال حنين الناقل، والأجود له لو أنه لزم صناعته، وأمسك عن ذكر صناعتنا؛ لقد كان يكون أجدى عليه فيما كنا سنوصله إليه من أموالنا، ونحسن إليه ما أمكننا، وذلك يتم له بترك أخذ المجلس، والنظر في قوارير الماء، ووصف الأدوية، ويقولون إن حنيناً ما يدخل إلى موضع من الدور الخاصة والعامة إلا يهزؤون به، ويتضاحكون منه عند خروجه، فكنت كلما سمعت شيئاً من هذا ضاق به صدري، وهممت أن أقتل نفسي من الغيظ والزرد، وما كان لي إليهم سبيل، إذ كان الواحد لا يستوي له مقاومة الجامعة عند تظافرهم عليه، لكني كنت أضمر وأعلم أن حسدهم هو الذي يدعوهم إلى سائر الأشياء، وإن كان لا يخفى عليهم قبحها، فإن الحسد لم يزل بين الناس على قديم الأيام، حتى من يعتقد الديانة قد يعلم أن أول حاسد كان في الأرض قابيل في قتله لأخيه هابيل، لما لم يقبل اللّه قربانه وقبل قربان هابيل، وما لم يزل قديماً فليس بعجب أن أكون أنا أيضاً أحد من يؤذى بسببه، وقد يقال كفى بالحاسد حسده ويقال إن الحاسد يقتل نفسه قبل عدوه، ولقد أكثرت العرب ذكر الحسد في الشعر ونظموا فيه الأبيات، منها قول بعضهم

إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا

فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظاً بما يجد

أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صعداً منها ولا أرد

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا