وقال سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل إن حنين بن إسحاق مات بالغم من ليلته في أيام المتوكل، قال حدثني بذلك وزير أمير المؤمنين الحكم المستنصر باللّه قال، قال كنت مع أمير المؤمنين المستنصر فجرى الحديث فقال أتعلمون كيف كان موت حنين بن إسحاق؟ قلنا لا يا أمير المؤمنين، قال خرج المتوكل على اللّه يوماً وبه خمار فقعد في مقعده فأخذته الشمس، وكان بين يديه الطيفوري النصراني الطبيب وحنين بن إسحاق، فقال له الطيفوري يا أمير المؤمنين الشمس تضر بالخمار، فقال المتوكل لحنين ما عندك فيما قال؟ فقال حنين يا أمير المؤمنين لا تضر بالخمار، فلما تناقضا بين يديه طلب كشفهما عن صحة أحد القولين، فقال حنين يا أمير المؤمنين الخمار حال للمخمور، والشمس لا تضر بالخمار إنما تضر المخمور، فقال المتوكل لقد أحرز من طبائع الالفاظ وتحديد المعاني ما فاق به نظراءه، فوجم لها الطيفوري، فلما كان في غد ذلك اليوم أخرج حنين من كمه كتاباً فيه صورة المسيح مصلوباً، وصور ناس حوله فقال له الطيفوري يا حنين هؤلاء صلبوا المسيح؟ قال نعم فقال له ابصق عليهم، قال حنين لا أفعل، قال الطيفوري ولم؟ قال لأنهم ليسوا الذين صلبوا المسيح إنما هي صور، فاشتد ذلك على الطيفوري ورفعه إلى المتوكل يسأله إباحة الحكم عليه بديانة النصرانية، فبعث إلى الجاثليق والأساقفة وسئلوا عن ذلك، فأوجبوا اللعنة على حنين، فلعن سبعين لعنة بحضرة الملأ من النصارى، وقطع زناره، وأمر المتوكل أن لا يصل إليه دواء من قبل حنين حتى يستشرف على عمله الطيفوري، وانصرف حنين إلى داره فمات من ليلته، فيقال مات غماً وأسفاً، أقول هذه حكاية ابن جلجل، وكذلك أيضاً وجدت أحمد بن يوسف بن إبراهيم قد ذكر في رسالته في المكافأة ما يناسب هذه الحكاية عن حنين، والأصح في ذلك أن بختيشوع بن جبرائيل كان يعادي حنين بن إسحاق ويحسده على علمه وفضله، وما هو عليه من جودة النقل، وعلو المنزلة، فاحتال عليه بخديعة عند المتوكل وتم مكره عليه حتى أوقع المتوكل به وحبسه، ثم إن اللّه تعالى فرج عنه وظهر ما كان احتال به عليه بختيشوع بن جبرائيل؛ وصار حنين حظياً عند المتوكل وفضله على بختيشوع وعلى غيره من سائر المتطببين، ولم يزل على ذلك في أيام المتوكل إلى أن مرض حنين فيما بعد المرض الذي توفي فيه، وذلك في سنة أربع وستين ومائتين، وتبين لي جملة ما يحكى عن حنين من ذلك، وصح عندي من رسالة، وجدت حنين بن إسحاق قد ألفها فيما أصابه من المحن والشدائد من الذين ناصبوه العداوة من أشرار أطباء زمانه المشهورين، وهذا نص قوله، قال حنين بن إسحاق إنه لحقني من أعدائي ومضطهدي الكافرين بنعمتي الجاحدين لحقي، الظالمين لي، المتعدين علي من المحن والمصائب والشرور ما منعني من النوم وأسهر عيني وأشغلني عن مهماتي، وكل ذلك من الحسد لي على علمي وما وهبه اللّه، عزّ وجلّ، لي من علو المرتبة على أهل زماني، وأكثر أولئك أهلي وأقربائي، فإنهم أول شروري، وابتداء محني، ثم من بعدهم الذين علمتهم وأقرأتهم وأحسنت إليهم وأرقدتهم وفضلتهم على جماعة أهل البلد من أهل الصناعة، وقربت إليهم علوم الفاضل جالينوس، فكافؤوني عوض المحاسن مساوئ بحسب ما أوجبته طباعهم، وبلغوا بي إلى أقبح ما يكون من إذاعة أوحش الأخبار، وكتمان جليل الأسرار، حتى ساءت بي الظنون، وامتدت إلي العيون، ووضع علي الرصد حتى أنه كان يحصى علي ألفاظي، ويكثر اتهامي، بما دق منها مما ليس غرض فيه، ما أومأوا إليه، فأوقعوا بغضتي في نفوس سائر أهل الملل فضلاً عن أهل مذهبي، وعملت لي المجالس بالتأويلات الرذلة.
Lives of the Physicians
حنين بن إسحاقOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.