وأما حنين، أبوه، فكان مهتماً بنقل الكتب الطبية وخصوصاً كتب جالينوس حتى أنه في غالب الأمر لا يوجد شيء من كتب جالينوس إلا وهي بنقل حنين أو بإصلاحه لما نقل غيره، فإن رؤي شيء منها وقد تفرد بنقله غيره من النقلة مثل اسطاث وابن بكس والبطريق وأبي سعيد عثمان الدمشقي وغيرهم، فإنه لا يعنى به، ولا يرغب فيه، كما يكون بنقل حنين وإصلاحه، وإنما ذلك لفصاحته وبلاغته، ولمعرفته أيضاً بآراء جالينوس، ولتمهره فيها، ووجدت بعض الكتب الست عشرة لجالينوس، وقد نقلها من الرومية إلى السريانية سرجس المتطبب، ونقلها من السريانية إلى العربية موسى بن خالد الترجمان فلما طالعتها وتأملت ألفاظها تبين لي بين نقلها وبين الست عشرة التي هي نقل حنين تباين كثير وتفاوت بين، وأين الألكن من البليغ، والثرى من الثريا، وكان حنين أيضاً ماهراً في صناعة الكحل وله تصانيف مشهورة بالجودة فيها، وحدثني الشيخ شهاب الدين عبد الحق الصقلي النحوي إن حنين بن إسحاق كان يشتغل في العربية مع سيبويه وغيره ممن كانوا يشتغلون على الخليل بن أحمد، وهذا لا يبعد، فإنهما كانا في وقت واحد على زمان المأمون، وإننا نجد في كلامه وفي نقله ما يدل على فصاحته وفضله في العربية وعلمه بها، حتى أن له تصانيف في ذلك، وقال سليمان بن حسان إن حنيناً نهض من بغداد إلى أرض فارس، وكان الخليل بن أحمد النحوي بأرض فارس، فلزمه حنين حتى برع في لسان العرب، وأدخل كتاب العين بغداد، ثم اختير للترجمة واؤتمن عليها، وكان المتخير له المتوكل على اللّه، ووضع له كتَّاباً نحارير عالمين بالترجمة، وكانوا يترجمون ويتصفح ما ترجموا، كاصطفن بن بسيل، وموسى بن خالد الترجمان، قال وخدم حنين بالطب المتوكل على اللّه وحظيفي أيامه، وكان يلبس زناراً، وتعلم لسان اليونانيين بالاسكندرية، وكان جليلاً في ترجمته، وهو الذي أوضح معاني كتب أبقراط وجالينوس ولخصها أحسن تلخيص، وكشف ما استغلق منها، وأوضح مشكلها، وله تواليف نافعة مثقفة بارعة، وعمد إلى كتب جالينوس فاحتذى فيها حذو الاسكندرانيين، وصنعها على سبيل المسألة والجواب فأحسن في ذلك، وقال حنين بن إسحاق عن نفسه، إن جميع ما قد كان يملكه من الكتب ذهب حتى لم يبق عنده منها ولا كتاب واحد، ذكر ذلك في مقالته في فهرست كتب جالينوس، وقال أبو علي القباني كان حنين في كل يوم عند نزوله من الركوب يدخل الحمام فيصب عليه الماء، ويخرج فيلتف بقطيفة وقد أعد له هناب من فضة فيه رطل شراب وكعكة مثرودة فيأكلها ويشرب الشراب ويطرح نفسه حتى يستوفي عرقه، وربما نام ثم يقوم ويتبخر ويقدم له طعامه وهو فروج كبير مسمن وقد طبخ زيرباجه، ورغيف فيه مائتا درهم، فيحسو من المرق ثم يأكل الفروج والخبز وينام، فإذا انتبه شرب أربعة أرطال شراباً عتيقاً، ولم يذق غير هذا طول عمره، فإذا اشتهى الفاكهة الرطبة أكل التفاح الشامي والرمان والسفرجل، وقال أحمد بن الطيب السرخسي في كتاب اللهو والملاهي، قال حنين المتطبب وافاني في بعض الليالي، أيام المتوكل، رسل من دارالخليفة يطلبوني ويقولون الخليفة يريدك، ثم وافت بعدهم طائفة، ثم وافاني زرافة فأخرجني من فراشي ومضى بي ركضاً حتى أدخلني إلى الخليفة، فقال يا سيدي هوذا حنين، قال فقال ادفعوا إلى زرافة ما ضمنا له، قال فدفع إليه ثلاثون ألف درهم، ثم أقبل علي فقال أنا جائع فما ترى في العشاء؟ فقلت له في ذلك قولاً، فلما فرغ من أكله سألت عن الخبر، فقيل لي أن مغنياً غناه صوتاً، فسأله لمن هو؟ فقال لحنين بن بلوع العبادي، فأمر زرافة بإحضار حنين بن بلوع العبادي، فقال له يا أمير المؤمنين لا أعرفه، فقال لا بد منه، وإن أحضرته فلك ثلاثون ألف درهم، قال فأحضرني، ونسي المتوكل السبب بما كان في رأسه من النبيذ، وحضرت وقد جاع فأشرت عليه بأن يقطع النبيذ ويتعشى وينام ففعل، أقول كان مولد حنين في سنة مائة وأربع وتسعين للهجرة، وتوفي في زمان المعتمد على اللّه وذلك في يوم الثلاثاء أول كانون الأول من سنة ألف ومائة وثمان وثمانين للأسكندر، وهو لست خلون من صفر سنة مائتين وأربع وستين للهجرة، وكانت مدة حياته سبعين سنة، وقيل إنه مات بالذرب.
Lives of the Physicians
حنين بن إسحاقTexte original Public domain
Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens
Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.