قال فانصرفت إلى أبي إسحاق بالكتاب ولم أوصله، فوجدت سيما الدمشقي عند صاحبنا وقد أبلغه رسالة المعتصم بوصف شوقه إليه، وبالأمر بالركوب إليه، فأخبرته بما دار بيني وبين سلمويه، وركب فاستعمل ما أشار به، فلم ينكربعد ذلك منه شيئاً حتى فرق بينهما الموت، قال يوسف وجرى بيني وبين سلمويه ذكر يوحنا بن ماسويه، فأطنبت في وصفه وذكرت منه ما أعرف من اتساع علمه، فقال سلمويه يوحنا آفة من آفات من اتخذه لنفسه، واتكل على علاجه وكثرة حفظه للكتب، وحسن شرحه ووصفه بما يلجم به المكروه، ثم قال لي أول الطب معرفة مقدار الداء حتى يعالج مقدار ما يحتاج إليه من العلاج، ويوحنا أجهل خلق اللَّه بمقدار الداء والدواء جميعاً، فإن زاول محرور عالجه من الأدوية الباردة والأغذية المفرطة البرد وبما يزيل عنه تلك الحرارة، ويعقب معدته وبدنه برداً، ويحتاج له إلى المعالجة بالأدوية والأغذية الحارة، ثم يفعل في ذلك كفعله في العلة الأولى من الإفراط ليزول عنه البرد، ويعتل من حرارة مفرطة، فصاحبه أبداً عليل إما من حرارة وإما من برودة، والأبدان تضعف عن احتمال هذا التدبير، وإنما الغرض في اتخاذ الناس المتطببين لحفظ صحتهم في أيام الصحة، ولخدمة طبائعهم في أيام العلة، ويوحنا لجهله بمقادير العلل والعلاج غير قائم بهذين البابين، ومن لم يقم بهما فليس بمتطبب، قال يوسف وأصابت إبراهيم بن بنان أخا سلمويه بن بنان هيضة من خوخ أكله فأكثر منه فكادت تأتي على نفسه، فسقاه أخوه سلمويه شهرياراناً كثير السقمونيا، فأسهله إسهالاً كثيراً زائداً على المقدار الذي يجب أن يكون ممن شرب مثل ما شرب إبراهيم من الشهرياران، وانقطع مع انقطاع فعل الشهرياران فعل الهيضة، فقلت له أحسبك امتثلت فيما فعلت بأخيك، من إسقائه الدواء المسهل، طريقة يزيد بور في ثمامة العبسي، فقال ما استعملت له طريقة ولكني استعملت فكري كما استعمل فكره فنتج لي من الرأي ما نتج له، قال يوسف وكنت يوماً عند سلمويه وقد أجرينا حديث أيام الفتنة بمدينة السلام أيام محمد الأمين، فقال لي لقد نفعنا اللَّه في تلك الأيام بجوار بشر وبشير ابني السميدع، وذلك أنا كنا معهما في كل حمى، ثم قال لي؟ هل لك أن تركب إلى بشير، فتعوده، فقد كنت يئست منه أول من أمس ثم أفرق أمس؟ فأجبته إلى الركوب معه وركبنا، فلما صرنا إل باب الدرب الذي كان بشير ينزله طلع علينا بولس بن حنون المتطبب، الذي هو اليوم متطبب أهل فلسطين، وهو منصرف من عند بشير، فسأله عن خبره فأجابه بكلمة بالسريانية معناها بئس، فقال له سلمويه ألم تخبرني أمس أنه قد أفرق؟ فقال له بولس قد كان ذاك إلا أنه أكل البارحة دماغ جدي فعاوده الإسهال، فعطف سلمويه رأس دابته وقال انصرف بنا فليس يبيت بشير في الدنيا، فسألته عن السبب، فذكر أنه رجل مبطون، وأن أول آفته كانت في البطن، فساد معدته، فتطاولت أيامه في البطن بفساد المعدة إلى أن كان ذلك سبباً لفساد كبده، وأن الدماغ الذي أكله سيعلق بمعدته ويغرّي ما بين غضونها فلا يدخلها غذاء ولا دواء إلا زلق، انصرفنا ولم يعده سلمويه ولا عدته فما بات حتى توفي.
Lives of the Physicians
سلمويه بن بنان متطبب المعتصمنص أصلي Public domain
مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها
مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.