FluentPlex

Lives of the Physicians

سلمويه بن بنان متطبب المعتصم

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وأحضره أمير المؤمنين فأمره أن يتولى إيصال رسائله إليه في جميع الأوقات، قال يوسف فقربني أبو إسحاق بسلمويه، وكنت لا أكاد أفارقه، وكان خروج أمير المؤمنين عن مدينة السلام آخر خرجاته عن غير ذكر تقدم لخروج إلى ناحية من النواحي، وكان الناس قد حضروا الدكة بالشماسية لحلية السروج في يوم الأربعاء لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة عشرين ومائتين، فأخرجت الخيل، ودعا بالجمازات فركبها ونحن لا نشك في رجوعه من يومه، ثم أمر الموالي والقواد باللحاق به، ولم يخرج معه من أهل بيته أحد إلا العباس بن المأمون وعبد الوهاب بن علي، وخلف المعتصم الواثق بمدينة السلام، إلى أن صلى بالناس يوم النحر سنة عشرين ومائتين، ثم أمر بالخروج إلى القاطول فخرج، فوجهني أبو إسحاق بحوائج له إلى باب أمير المؤمنين، فتوجهت، فلم يزل سيارة مرة بالقاطول ومدينة القاطول ومرة بدير بني الصقر، وهو الموضع الذي سمي في أيام المعتصم والواثق بالإيتاخية وفي أيام المتوكل بالمحمدية، ثم صار المعتصم إلى سر من رأى فضرب مضاربه فيها وأقام بها في المضارب، فإني، في بعض الأيام، على باب مضرب المعتصم إذ خرج سلمويه بن بنان فأخبرني أن أمير المؤمنين أمره بالمضي إلى الدور والنظر إلى سوار تكين الفورغاني، والتقدم إلى متطببه في معالجته من علة يجدها بما يراه سلمويه صواباً، وحلف علي أن لا أفارقه حتى نصير إلى الدور ونرجع، فمضيت معه فقال لي حدثني في غداة يومنا هذا نصر بن منصور بن بسام أنه كان يساير المعتصم باللّه في هذا البلد يعني بلد سر من رأى وهو أمير، قال لي سلمويه قال لي نصر إن المعتصم أمير المؤمنين قال له يا نصر أسمعت قط بأعجب ممن اتخذ في هذا البلد بناء وأوطنه ليت شعري ما أعجب موطنه حزونة أرضه، أو كثرة أخافيفه، أم كثرة تلاعه وشدة الحر فيه إذا حمي الحصى بالشمس، ما ينبغي أن يكون متوطن هذا البلد إلا مضطراً مقهوراً أو ردي التمييز.

قال لي سلمويه قال لي نصر بن منصور وأنا واللّه خائف أن يوطن أمير المؤمنين هذا البلد، فإن سلمويه ليحدثني عن نصر إذ رمى ببصره نحو المشرق فرأى في موضع الجوسق المعروف بالمصيب أكثر من ألف رجل يضعون أساس الجوسق، فقال لي سلمويه أحسب ظن نصر بن منصور قد صح، وكان ذلك في رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين، وصام المعتصم في الصيف في شهر رمضان من هذه السنة، وغدى الناس فيه يوم الفطر، واحتجم المعتصم بالقاطول يوم سبت وكان ذلك اليوم آخر يوم من صيام النصارى، فحضر غداءه سلمويه بن بنان، واستأذنه في المصير إلى القادسية ليقيم في كنيستها باقي يومه وليلته، ويتقرب فيها يوم الأحد، ويرجع إلى القاطول قبل وقت الغداء من يوم الأحد فأذن له في ذلك وكساه ثياباً كثيرة، ووهب له مسكاً وبخوراً كثيراً، فخرج منكسراً مغموماً وعزم علي بالمصير معه إلى القادسية فأجبته إلى ذلك، وكانت عادتنا متى تسايرنا قطع الطريق إما بمناظرة في شيء من الآداب وإما بدعابة من دعابات المتأدبين، فلم يجارني شيء من البابين جميعاً، وأقبل على الفكرة وتحريك يده اليمنى، وشفته تهمس من القول بما لا يعلنه، فسبق إلى وهمي أنه رأى من أمير المؤمنين في أمر نفسه شيئاً أنكره؛ ثم أزال ذلك الوهم عني إقدامه على الاستئذان في المصير إلى القادسية والثياب والطيب الذي جيء به، فسألته عن سبب قراءته وفكرته، فقال لي سمعتك تحكي عن بعض ملوك فارس قولاً في العقل، وأنه وجب أن يكون أكثر ما في الإنسان عقله فأعده علي وخبرني باسم ذلك الملك؟ قال له قال أنو شروان إذا لم يكن أكثر ما في الرجل عقله كان أكثر ما فيه برديه، فقال قاتله اللَّه فما أحسن ما قال، ثم قال أميرنا هذا يعني الواثق، حفظه لما يقرأ ويقرأ عليه من الكتب أكثر من عقله، وأحسبه قد وقع في الذي يكره وأنا أستدفع اللَّه في المكاره عنه، وبكى، فسألته عن السبب فقال أشرت على أمير المؤمنين بترك الشرب في عشية أمس ليباكر الحجامة في يومنا هذا على نقاء، فجلس وأحضر الأمير هارون وابن أبي داؤد وعبد الوهاب ليتحدث معهم، فاندفع هارون في عهد أردشير بن بابك، وأقبل يسرد جميع ما فيه ظاهراً حتى أتى على العهد كله فتخوفت عليه حسد أبيه له على جودة الحفظ الذي لم يرزق مثله وتخوفت عليه إمساك أبيه ما حدّ أردشير بن بابك في عهده من ترك إظهار البيعة لولي عهده.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا