ثم مضت معي ومع القوم تولول حتى انتهينا إليه، فغسّلناه وكفّنّاه وصلّينا عليه، فأكبّت على قبره؛ وخرجت لطيّتي حتى أتيت يزيد بن عبد الملك، وأوصلت إليه الكتاب؛ فسألني عن أمورالناس، قال: هل رأيت في طريقك شيئاً؟ قلت:نعم، رأيت واللّه عجباً.وحدّثته الحديث؛ فاستوى جالساً، ثم قال: للّه أنت يا محمد بن قيس! امض الساعة قبل أن تعرف جواب ما قدمت له، حتى تمرّ بأهل الفتى وبني عمّه، وتمرّ بهم إلى عامل المدينة، وتأمره أن يثبتهم في شرف العطاء، وإن كان أصابها ما أصابه، فافعل ببني عمّها ما فعلت ببني عمه ثم ارجع إليّ حتى تخبرني بالخبر، وتأخذ جواب ما قدمت له. فمررت بموضع القبر، فرأيت إلى جانبه قبراً آخر، فسألت عنه فقيل: قبر المرأة، أكبّت على قبره، ولم تذق طعاماً ولا شراباً، ولم ترفع عنه إلى ثلاثة أيام " إلا " ميتةً. فجمعت بني عمّها وبني عمّه، وأثبتّهم في شرف العطاء جميعاً.
لرجل من بني تميم في عاشقين ماتا عشقاً عن هشام بن حسّان عن رجل من بني تميم قال: خرجت في طلب ناقةٍ لي، حتى وردت على ماءٍ من مياه طيءٍ، فإذا أنا بعسكرين بينهما دعوة فإذا أنا بفتى شابٍّ وجاريةٍ في العسكر، وإذا هو قد سمع نبرةً من كلامها وهو مريض، فرفع عقيرته وقال:
ألا ما للمليحة لا تعود ... أبخلٌ بالمليحة أم صدود
فلو كنت المريضة كنت أسعى ... إليك ولم ينهنهني الوعيد
فسمعتصوته فخرجت تعدو، فأمسكها النساء، وأبصرها فأقبل ينشد، فأمسكه الرجال فأفلت وأفلتت، فاعتنقا وخرّا ميتين؛ فخرج شيخ من تلك الأخبية حتى وقف عليهما، فاسترجع لهما، ثم قال: أما واللّه لئن كنتما لم تجتمعا حييّن لأجمعنّ بينكما ميّتين. قال: فقلت: من هذا؟ قال: هذا ابن أخي، وهذه ابنتي. فدفنهما في قبر ولحد.
عبد اللّه بن عجلان عن ابن سيرين قال: قال عبد اللّه بن عجلان صاحب هند التي عشقها وكانت تحبّه فطلّقها:
ألا إنّ هنداً أصبحت لك محرماً ... وأصبحت من أدنى حموتّها حما
وأصبحت كالمقمور جفن سلاحه ... يقلّب بالكفّين قوساً وأسهما
ومدّ بها صوته ثم مات. قال الأصمعيّ: فيه قال الشاعر:
إن متّ من الحبّ ... فقد مات ابن عجلان
لأعرابي من العذريين قيل لأعرابيّ من العذريينّ: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طيرٍ تنماث كما ينماث الملح في الماء! أما تجلدونّ؟ فقال: إننا ننظر إلى محاجر أعينٍ لا تنظرون إليها.
وقيل لأعرابيّ: ممنّ أنت؟ فقال: من قوم إذا أحبواّ ماتوا. فقالت جارية سمعته: عذّريّ وربّ الكعبة!.
لعبد الملك بن عمير في أخوين من بني كنّة عن عبد الملك بن عمير قال: كان أخوان من بني كنّة من ثقيف، أحدهما ذو أهل، والآخر عزبٌ، وكان ذو الأهل إذا غاب خلفه العزب في أهله؛ فغاب غيبةً له؛ فجاء العزب يوماً فطلعت عليه امرأة الأخ، وهي لا تعلم بمكانه، وعليها درع يشفّ، فسترت وجهها بذراعيها، فوقعت في قلبه، وجعل يذوب حتى صار كأنه خيطٌ، فقدم أخوه فقال: يا أخي، ما لك؟ قال: لا أدري. واستحيا أن يذكر ما به؛ فانطلق أخوه إلى الحارث بن كلدة طبيب العرب، فوصفه له؛ فقال: احمله إليّ. فلما نظر إليه قال: أمّا العينان فصحيحتان وأما الجسم فذائب ولا أظن أخاك إلا عاشقاً قال: ترى أخي بالموت وتزعم أنه عاشق! قال: هو ما أقول لك فاسقه الشراب فسقاه الخمر، فقال الشعر ولم يكن الشعر من شأنه فقال:
ألمّا بي إلى الأبيا ... ت بالخيف أزر هنّه
غزال ما رأيت اليو ... م في دور بني كنّه
غزال أكحل العين ... وفي منطقه غنّه
فقال أخوه: واللّه ما أراه إلا كما قال ولكن لا أدري من عني فسقاه شربةً أخرى فقال:
أيها الحيّ اسلموا ... اسلموا ثمت اسلموا
لا تولوا وتعرضوا ... واربعوا كي تكلموا
خرجت مزنة من ال ... بحر ريا تححم
هي ما كنّتي وتز ... عم أني لها حم
قال: يا أخي هي طالقٌ ثلاثاً، فإن شئت فتزوجها. قال: وهي طالقٌ إن تزوجتها. قال غيره. فلما أفاق ذهب على وجهه حياءً ولم يرجع، فهو فقيد ثقيف.
خبر عباس والجارية التي هويها