أول شعر قيل في ذم الدنيا قال الأصمعي: أوّل شعر قيل في ذم الدنيا قول ابن خَذّاق:
هل للفتى من بناتِ الدهر من راقي ... أم هل له من حِمَام الموت من واقي
قد رجَّلوني وما رُجِّلتُ من شَعَثٍ ... وألبسوني ثياباً غيرَ أخلاقِ
وطيَّبوني وقالوا أيّما رجلٍ ... وأدرجوني كأنّي طي مخراقِ
هوَن عليك ولا تُولَع بإشفاقِ ... فإنما مالُنا للوارث الباقي
بين النبي صلى الله عليه وسلم ورجل لا يحب الموت محمد بن فُضَيل عن عُبيد الله بن عُمَير قال: جاء رجل إلى النبي عليه السلام فقال: يا نبيً الله، ما لي لا أحبُّ الموت؟ فقال له: " هل لك مال؟ " قال: نعم. قال: " قدمه بين يديك " .
قال: لا أطيق ذلك. قال: فقال النبي عليه السلام: " إنّ المرءَ مع ماله إن قدمه أحبَّ أن يَلْحق به وإن أخَّره أحب أن يتخلَف معه " .
للربيع بن خيثم في مرضه المحاربيّ عن عبد الملك بن عُمَير قال: قيل للربيع بن خيْثم في مرضه: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: أنظِروني؛ ثم فكر فقال: " وعادٍ وثَمُودَ وأصحابَ الرَسَ وقُرُوناً بينَ ذلكَ كثيراً " قد كانت فيهمِ أطباءُ، فما أرى المداوى بَقِي ولا المداوَى؛ هلك الناعتُ والمنعوتُ له، لا تدعوا لي طبيباً.
شعر كان يتمثل به عمر بن عبد العزيز دائماً إسحاق بن سليمان عن أبي أحمد قال: كان عمر بن عبد العزيز ليس له هِجيرَى إلا أن يقول:
تُسَر بما يَبلَى وتفرَحُ بالمنى ... كما اغترّ باللذاتِ في النوم حالمُ
نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغَفْلةٌ ... وليلُك نومٌ والردىَ لك لازمُ
وسعيُك فيما سوف تكره غبهُ ... كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ
كم من مستقبل يوماً ليس بمستكمله، ومنتظِرٍ غدا ليس من أجله، لو رأيتم الأجل ومسيرَه، لأبغضتم الأمل وغرورَه.
لا يلبث القُرنَاء أن يتفرّقوا ... ليل يَكُرّ عليهمُ ونهارُا
لأبي هريرة يحيى بن آدم عن عبد اللّه بن المبارك عن عبد الوهاب بن وَرْد عن سالم بن بَشير بن حَجَل عن أبي هريرة: أنه بكى في مرضه فقال: أمَا إني لا أبكي على دنياكم ولكني أبكي على بُعْدِ سفري وقلّة زادي، وأني أمسيتُ في صُعودٍ مهبِطُه على جنةٍ أو نار، ولا أدري على أيّهما يؤخذ بي.
لمعاذ لما احتُضِر أبو جَنَاب قال: لما احتُضِر معاذٌ قال لجاريته: ويحكِ! هل أصبحنا؟ قالت: لا؛ ثم تركها ساعةً ثم قال لهًا: أنظُرِي! فقالت: نعم؛ فقال: أعوذ باللّه من صباح إلى النار ثم قال: مرحباً بالموت، مرحبا بزائر جاء على فاقةٍ، لا أفلَح مَنْ نَدِم! اللهمّ إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاءَ في الدنيا لكَرْي الأنهارِ ولا لغرس الأشجارِ، ولكن كنت أحب البقاءَ لمكابدة الليل الطويل ولظمأ الهواجر في الحر الشديد ولمزاحمةِ العلماء بالرُّكَبِ في حلَق الذَكر.
لعمرو بن العاص عند احتضاره أبو اليَقْظان قال: لما احتُضِر عمرُو بن العاص جعل يده في موضع الغُل من عنقه ثم قال: اللهم إنك أمرتَنا ففَرّطْنا، ونهيتنا فركِبنا، اللهم إنه لا يَسعُنا إلا رحمتُك؛ فلم يزل ذلك هِجيراه حتى قُبضَ.
لأزاذمرد في احتضاره وقد سُئِل عن حاله قيل لأزاذمَرْد بن الهِرْبذ حيني احتًضِر: ما حالُك؟ فقال: ما حال من يريد سفراً بعيداً بلا زاد، وينزلُ حفرةً من الأرض مُوحِشة بلا مؤنس، ويَقْدَمُ على ملكٍ جبّارٍ قد قَدم إليه العذرَ بلا حُجةٍ.
لأمية بن أبي الصلت عند وفاته حدثني عَبدةُ الصفارُ قال: حدّثني العَلاء بن الفضل قال: حدّثني محمد بن إسماعيل عن أبيه عن جده عن جد أبيه قال: سمعتُ أميةَ بن أبي الصلْت عند وفاته وأغميَ عليه طويلاً ثم أفاق، ورفع رأسه إلى سقف البيت وقال: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما، لا عشيرتي تَحمِيني، إلا مالي يَفدِيني. ثم أغميَ عليه طويلاً ثم أفاق فقال:
كل عيش وإن تطاولَ دهراً ... صائرٌ مرة إلى أن يزولا
ليتني كنتُ قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعَى الوُعُولا
ثم فاضت نفسُه.
للمنصور عند موته