ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار فقلت والله لأتحفن المأمون بهذا الخبر فلما رآني قال من أين يا أصمعي قلت من عند رجل أكرم الأحياء حاشى أمير المؤمنين قال ومن هو فدفعت إليه الورقة والصرة وأعدت عليه الخبر فلما رأى الصرة قال هذا من بيت مالي ولا بد لي من الرجل فقلت والله يا أمير المؤمنين إني أستحي أن أروعه برسلك فقال لبعض خاصته امض مع الأصمعي فإذا أراك الرجل قل له أجب أمير المؤمنين من غير ازعاج قال فلما حضر الرجل بين يدي المأمون قال له أما أنت الذي وقعت بالامس وشكوت رقة الحال وأن الزمان قد أناخ عليك بكلكله فدفعنا إليك هذه الصرة لتصلح بها حالك فقصدك الأصمعي ببيت واحد فدفعتها إليه فقال نعم يا أمير المؤمنين والله ما كذبت فيما شكوت لأمير المؤمنين من رقة الحال لكن استحيت من الله تعالى أن أعيد قاصدي إلى كما أعادني أمير المؤمنين فقال له المأمون لله أنت فما ولدت العرب أكرم منك ثم بالغ في إكرامه وجعله من جملة ندمائه.
ومن لطائف المنقول ما هو منقول عن الربيع إنه قال ما رأيت رجلا أثبت ولا أربط جأشا من رجل رفع إلى المنصور أن عنده ودائع وأموالا لبني أمية فأمرني باحضاره فأحضرته ودخلت به إليه فقال له المنصور قد رفع إلينا الودائع والأموال التي لبني أمية عندك فأخرج لنا منها فقال يا أمير المؤمنين أوارث أنت لبني أمية قال لا، قال فوصي قال لا، قال فما سؤالك عما في يدي من ذلك قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقال: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها وأنا وكيل المسلمين في حقهم فأريد أن آخذ أموال المسلمين وأجعلها في بيت مالهم فقال يا أمير المؤمنين تحتاج في ذلك إلى إقامة البينة العادلة على أن الذي في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموه واغتصبوه من أموال المسلمين فإن بني أمية كان لهم أموال غير أموال المسلمين قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال صدق الرجل يا ربيع ما وجب عليه عندنا شيء ثم بش في وجهه فقال هل لك من حاجة فقال نعم يا أمير المؤمنين حاجتي أن تنقذ كتابي مع البريد إلى أهلي ليسكنوا إلى سلامتي فقد راعهم اشخاصي وقد بقيت لي حاجة أخرى يا أمير المؤمنين قال ما هي قال تجمع بيني وبين من سعى بي إليك فو الله ما لبني أمية عندي ولا في يدي وديعة ولكنني لما مثلت بين يديك وسألتني رأيت ما قلته أقرب إلى الخلاص والنجاة فقال يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به فجمعت بينهما فقال هذا غلامي ضرب على ثلاثة آلاف من مالي وابق فشدد المنصور على الغلام فأقر أنه غلامه وأنه أخذ المال الذي ذكره وأبق منه وكذب عليه خوفا من الوقوع في يده فقال المنصور للرجل نسألك أن تصفح عنه فقال يا أمير المؤمنين صفحت عن جرمه وأبرأته من المال وأعطيته ثلاثة آلاف دينار أخرى فقال المنصور ما على ما فعلت مزيد في الكرم قال بلى يا أمير المؤمنين هذا حق كلامك وانصرف وكان المنصور يتعجب منه كلما ذكره ويقول ما رأيت مثل هذا الرجل يا ربيع.