فمن الإنشاء البليغ الفصيح قول عبد الحميد عند ظهور الخراسانية بشعار السواد: فاثبتوا ريثما تنجلي هذه الغمرة وتصحوا من هذه السكرة فسينصب السيل وتمحى آية الليل.
ومثله قول أبي نصر العتبي: دبَّ الفشل في تضاعيف أحشائهم وسرى الوهن في تفاريق أعضائهم فجيوب الأقطار عنهم مزرورة مجرورة.
ومثله قول الصابئ نزع به شيطانه وامتدت في الغيّ أشطانه.
ومثله قول بديع الزمان: كتابي إلى البحر وإن لم أره فقد سمعت خبره والليث وإن لم ألقه فقد تصورت خلقه ومن رأى من السيف أثره فقد رأى أكثره.
ومثله قول القاضي الفاضل ووافينا قلعة نجم وهي نجم في سحاب وعقاب في عقاب وهامة له الغمام عمامه وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال له قلامه.
قلت ويعجبني في هذا الباب من انشاء الشهاب محمود قوله في وصف مقدم سرية: كَشْفُ الأزار في مقاصده أخف من وطأة ضيف، وفي مطالبه أخفى من زورة طيف، وفي تنقله أسرع من سحابة صيف وأروع للعدا من سلَّة سيف.
ومثله في الحسن قوله في صدر مثال شريف سلطاني: أصدرناها والسيوف قد أنفت من الغمود ونفرت من قِرَبها، والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب وتشوقت إلى الإرتواء من قلبها، والحماة ما منهم إلاّ من استظهر بإمكان قوته وقوة إمكانه والأبطال ليس فيهم من يسأل عن عدد عدوه بل عن مكانه.
ومثله في الحسن ما كتبت به جواباً عن مولانا السلطان الملك المؤيد سقى الله ثراه إلى قرا يوسف ملك العراق يتضمن خطاب الإيناس نظير ما خطب في مكاتبته.
فمن الجواب قولي: وهذه ألفة خولتنا في نعم الله وزمام الأخوة منقاد إلينا، وقد تعين على المقران يقول أنا يوسف وهذا قد من الله علينا، وقد سرتنا الإشارة الكريمة بالتمكن من أرض العدا ومطابقة الطول بالعرض وهذا الأسم قد شملته العناية قديما بقوله تعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض وأما قرا عثمان فقل سيوفنا ما غمضت عنه في أجفانها، وأنامل أسنتنا ما ذكرت توبته إلا شرعت في جس عيدانها، وجوارح سهامنا من برحت تنفض ريش أجنحتها للطيران إليه، وإن كان معنى سافلاً فلا بد لأجل المقرّ أن نخيم عليه، وينزل سلطان قهرنا بأرضه ويغرس فيها عيدان المران، وإن كانت من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يهمل إلا لإشغال الدولتين بالدخول في تطهير الأرض من الخارج وإيقاع الضرب الداخل من جس العيدان في كل خارج، ويدهمه من ابن أبي النصر أبناء حرب شرف في أنساب الوقائع جدُّهم، ورد الجموع الصحيحة إلى لتكسير فردهم، وإذا كثرت الخدود وتوردت بالدماء عذرت بورق الحديد الأخضر مردهم، إذا امتدوا إلى آمد تلا لهم حصنها في سورة الفتح قبل القتال، فإنهم مريدون ولهم شيخ منحه الله بكثرة الفتوح والإقبال، وإذا صرفوا الهمم المؤيدية لم تكن حصونهم عند ذلك الصرف مانعة، ولم يسمع لسكانها مجادلة إذا صدموا بالحديد وتلت حصونهم في الواقعة، وما خفي عن كريم علمه ما جمعه الناصر من الجموع التي فرقها الله أيدي سبأ، وكم سئل سائل وقد رآهم في النازعات عن ذلك العصر بالنبأ، وقد أشار منشىء دولتنا الشريفة إلى ذلك في قصيد كامل بحره والقصد هنا من أبيات ذلك القصيد قوله:
يا حامي الحرمين والأقصى ومن ... لولاه لم يسمر بمكة سامِرُ
والله إنَّ الله نحوك ناظرٌ ... هذا وما في العالمين مناظر
زحف على المخون نظّم عسكراً ... وأطاعه في النظم بحرٌ وافر
فانبتّ منه زحافه في وقعةٍ ... يا من بأحوال الوقائع شاعر
وجميع هاتيك البغاة بأسرهم ... دارت عليهم من سطاك دوائر
وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفةً ... فكأنّ هاتيك السروج مقابر