FluentPlex

Fruits of the Leaves

الوليد ومسامر الخلفاء

Original text Public domain

Read with the dictionary

ورأينا مسجداً يعرف بالركيني قد غير الزمان محاسنه الأنيقة، وهدم الخراب والموت ركنيه على الحقيقة، فأمرنا مولانا الصاحب بعمارة ما منه اندثر، ولحظت لآراء حجارته المنقضة فتبين أن السعادة تلحظ الحجر، ولقد صنع في هذه المنزلة من المعروف مالا صنع ذوو الدهر الطويل مثله، وبنى من المكرمات ما ثبت ولولا إبداع سعادته ما ثبت البناء فوق الرملة، ورحلنا عن الرملة بنيّة الزيارة لمشهد زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام، فمررنا في طريقنا بجملة خير معترضة وبينة وفي وجهة القبول مبيضّة تحتوي على قبر بنيامين أخي يوسف عليهما السلام فألحقناهُ بالزيارة بأخيه، وتوكلنا على الله في القبول توكَّل أبيه، وتيممنا ببنيامين، وقرعنا أبواب السماء بأدعية فاتحة فقال النجيح عقيب الفاتحة آمين، وسرنا والصدور منشرحة، والطريق إلى خير الدارين متضحة وجئنا المشهد وقد ظهرت عليه بضريحين كريمين بهجة الدين والدنيا، وتلا مزارها للقادم إنا نبشرك بيحيى، وبتنا ليلة طيبة نحييها ونميت النوم، ونعصي بالسهر أمره فما له سلطان على أعين القوم، وأصبحنا وقد امتلأت القلوب سرورا، والأعين نورا، وقوينا على قصد جنى الجنان، واستقبلنا محاسن بيسان، وختمنا الزيارة بمشهد معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه فأنقذت أنواره القلوب من الهم أي إنقاذ، وكدنا نفتن بالأنس حتى نقول أفتان أنت يا معاذ، وأمسكنا عنده من الدعاء بعروة لا تنفصم، وآوينا من طوفان الذنوب إلى جبل ينجح من به يعتصم، وأمر بما يحتاج إليه من تجديد عمارة وإنشاء طهارة، والحق بكل مزار وردنا عليه في هذه السّيارة، فإنا لا نفارقه إلا عن إقامة صلاة وصِلات، وتجديد آثار يزين به وجه القبول كاتب الحسنات، ثم نهضنا على الفور نهوض ليثه الملبد وجزنا مبتسمين فما بكينا بكاء لبيد يوم فراقه أربد، وانتشقنا من تلقاء طيبه الاسم أطيب العرف، وسلكنا بحرف واديها مستبشرين فكانت طيبة الاسم والفعل والحرف، ثم عاودنا المنازل التي قدمنا ذكرها، ورجعنا كما تسترجع منازل الأفق زهرها، وتنسمنا أرواح دمشق حتى كدنا ننشق من ذيل الكسوة عطرها، واستقبلنا الديار على هذا السعي الجليل، وفاصلنا السفر على كل وجه للفضل جميل، وقطعنا بالكسوة ليلاً طائلاً نداؤه: كل ليلٍ للعاشقين طويل، وفي تلك الليلة كان دخولنا إلى دمشق المحروسة كدخلونا إلى القدس الشريف سائرين سرى النجوم في الليل، سابقين لغرة الصباح بغرر الخيل، موفرين لخواطر الملتقين وهيهات وقد سال منهم السيل، نازلين من دمشق جنة قد تبسمت لقدومنا عن ثغور الأزهار، وأجرت أمام ركابنا الأنهار، ولبست من وشيء البديع حللا لها من أوائل ما انعقد من الثمار أزرار، فائزين من الثناء والثواب بفوق الأرادة، داعين لمن فضله لنا جامع مترقبين لرتبته باب الزيارة، وتمتهذه السفرة على أحسن ما يكون، واشتملت من وجوه المحاسن على عيون، قضيت المهمات بها بالنهار وقضيت في الليل المذاكرة، والتقطت من الفوائد الوزارية ما كنت أرتقب جواهره وأزهاره، وأردت أن أذكرها في هذه الخطبة لأنها جواهر، وأضمنها بعض العلم في هذه الأوراق فإنها أزاهر، فكثرت على هذا اللفظ المسجوع، واقتضى الحال أن أجمعها في سفر يقال فيه تلك رحلة وهذا تاريخ ومجموع، وقد علم الله أن هذه النبذة من القول وردت من قريحة مسها فقد الولد بقرح وأي قرح، وقال تفكرها الذي كان حائك الكلام لست اليوم من ذلك الطرح، فليبسط الواقف على هذه الرحلة عذري، ويعلم السبب في كونها ليست عادة نظمي ونثري، وإذا كانت القريحة في بقايا قورحها فليت شعري أينهض سجعي وشعري، والله تعالى المسؤول أن يجمل في البقاء الصاحبي سلوة عن كل فقيد، ويصل أسبابنا أبداً بتحريره الوافر وظله المديد، ويرزقنا في شكر نعمه لساناً لفظه ذهب وذهنا بصره حديد.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account