ولقد سهوت عن الصابىء وكان في هذا الفن أمة وهو أبو اسحق إبراهيم بن هلال صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع كان كاتب الإنشاء ببغداد عند الخليفة وعند معز الدولة بن بويه وكان متشددا في دينه واجتهد معز الدولة أن يسلم فلم يفعل وكان يصوم شهر رمضان ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ واستعمله في رسائله والصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه.
قيل للصابىء أن الصاحب بن عباد قال ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق وأتصدر ببغداد وأستكتب الصابىء ويكتب عني وأغير عليه فقال الصابىء ويكتب عني وأغير عليه فقال الصابىء ويغير علي وإن أصبت.
ومن إنشائه ما كتب به إلى أبي الخير عن رقعة وصلت تتضمن أنه أهدى إليه جملا، وصلت رقعتك ففضضتها عن بلاغة يعجز عنها عبد الحميد في بلاغته وسبحان في خطابته وتصرف بين جد أمضى من القدر وهزل ارق من نسيم السحر إلا أن الفعل قصر عن القول لأنك ذكرت جملا جعلته لصفتك جملا وكان المعيدي أن تسمع لا أن تراه صغر عن الكبر وكبر عن القدم يعجب العاقل من حلول الحياة به ومن تأتِّي الحركة فيه لأنه عظم مجلد قد طال الكلأ فقده وبعد بالمرعى عهده لم ير القتّ إلاّ نائما ولا عرف الشعير إلا حالما وقد كنت ملت إلى استبقائه لما تعرفه من محبتي للتوفير ورغبتي في التثمير فلم أجد فيه مستبقى لبقاء ولا مدفعا لعناء لأنه ليس بأنثى فتلد ولا بفتى فينسل ولا بصحيح فيرعى ولا بسليم فيبقى فقلت اذبحه ليكون وظيفة للعيال وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال فأنشدني وقد أضرمت النار وحددت الشفار:
أعيذها نظراتٍ منك صادقةً ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
ولست بذي لحم فاصلح للأكل لأن الدهر قد أكل لحمي ولا بذي جلد يصلح للدباغ لأن الأيام قد مزقت أدمي ولا بذي صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري إلا أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم فوجدته صادقا في مقالته ناصحا في مشورته ولم أعلم من أيّ أمر به أعجب أمن مطالبته الدهر بالبقاء أم من قدرتك عليه مع عدم مثله أم من هديتك غياه للصديق مع خساسة قدره ويا ليت شعري ما كنت مهدياً لو أني رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت مهديا إلا كلبا أجرب أو قردا أحدب والسلام.
0و - له من رسالة هو أخفض قدرا ومكانة وأظهر عجزا ومهانة من أن يستقل به قدم في مطاولتنا أو تطمئن له ضلوع في منابذتنا وهو في نشوزه عنا وطلبنا إياه كالضالة المنشودة والظلامة المردودة وكان له عبد اسمه يمن وكان يهواه وله فيه المعاني البديعة فمن ذلك قوله فيه:
قد قال يمنٌ اسود للذي ... ببياضه استعلى علوّ الخائنِ
ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى ... أن قد أفدت به مزيد محاسن
ولو أنّ منه فيَّ خالاً زانه ... ولو أنَّ منه فيَّ خالاً شانني
الصاحب بن عباد من بلاغته المخترعة إنه قيل له ما هو أحسن السجع، قال ما خف على السمع قيل مثل ماذا، قال مثل هذا. وسئل ابن العميد عن بغداد فقال بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.
وله جواب كتاب وصل كتاب مولاي فكانت فاتحته أحسن من كتاب الفتح وواسطته أنفس من واسطة العقد وخاتمته أشرف من خاتم الملك. ومن شعره يرثي كثير بن أحمد الوزير:
يقولون قد أودى كثير بنُ أحمدٍ ... وذلك رزءٌ في الأنام جليلُ
فقلت دعوني والعلا نبكه معاً ... فمثل كثيرٍ في الرجال قليل
القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم علم المتقدمين والمتأخرين وزير السلطان صلاح الدين بن أيوب الملقب بالملك الناصر تمكن منه غاية التمكين وبرز في صناعة الإنشاء على المتقدمين قال ابن خلكان في تاريخه أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهو مجيد في أكثرها.
وذكر ابن خلكان في تاريخه أيضا أن العماد الكاتب قال في الخريدة هو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع وكانت ولادته خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة بمدينة عسقلان وولي ابوه القضاء ببيسان فلهذا نسبوه إليها.